16:57 - 11 سبتمبر 2017

حركية التدوين في قضايا الحوادث الإجرامية بمواقع التواصل.. فوضى وعبثية أم حق في التعبير ؟

برلمان.كوم

حركية التدوين التي تعرفها مواقع التواصل الاجتماعي ببلادنا، خصوصا في قضايا الحوادث الإجرامية، هي أقرب إلى الفوضى والعبثية، وأبعد ما يكون عن ممارسة الحق في التعبير والنقد وإعادة رسم الواقع الذي نعيشه.

فالمتتبع لدينامية التدوين في وسائط الاتصال الجماهيري، خصوصا صفحات التواصل الاجتماعي، يجد نفسه في دوامة من التعليقات والتعليقات المضادة، والأشرطة المسجلة والتصويبات الصادرة بشأنها، والأخبار وبيانات الحقيقة التي تنشرها جهات رسمية أو خاصة لنفيها وتفنيدها. ففي هذه البيئة الافتراضية، التي تجمع بين الشيء ونقيضه، تضيع الحقيقة ويتراجع فيها منسوب صحة الخبر، وتضيع معهما، للأسف مهمة الصحافة والإعلام، التي هي نقل الخبر بأمانة ودقة، والكشف عما يروج داخل المجتمع بتجرد وموضوعية.

فعلى امتداد الأسبوع المنصرم، وبمناسبة عيد الأضحى المبارك، نشرت صفحات على موقع فايسبوك أشرطة فيديو وأخبار عديدة مطبوعة بالإثارة إلى أبعد مداها، وموسومة بالتحريف إلى أقصى تبعاته، لدرجة جعلت الكثير من المغاربة يطرحون أسئلة لا تخلو من خوف وارتياب: “هل صحيح أن المغرب الذي نعيشه هو المغرب الذي يظهر في صفحات الفايسبوك”؟ وهل صحيح أن ناشري تلك الأخبار والأشرطة هم مواطنين مغاربة أم أشخاص أجانب تحركهم خلفيات وأجندات مناوئة؟

الزميلة “الصباح” خصصت افتتاحيتها لهذا الموضوع بعنوان ” مؤامرة”، معتبرة التدوين الفايسبوكي لقضايا الحوادث بمثابة حرب استـنزافية وإنهاك مدروس للمصالح الأمنية المغربية، على اعتبار أنها تستهدف الإحساس بالأمن كأحد مقومات الرأسمال غير المادي الذي تتمتع به بلادنا. وهي بالفعل “مؤامرة”، خاصة عندما ندرك (والقول هنا لأمين معلوف) أن ” الإحساس بالخوف أو بانعدام الأمن لا تتحكم فيه دائما اعتبارات عقلانية وموضوعية، فقد يكون مبالغا فيه أو قد يصبح مرضيا. لكن في الوقت الذي يخيم فيه الخوف على الساكنة، فإن واقع الخوف هو الذي ينبغي أخذه بعين الاعتبار أكثر من حقيقة التهديد”.

فليس من باب الصدفة أن تصدر في أسبوع واحد، وهو أسبوع العيد الذي يتميز بحشد سكاكين الأضحية، أشرطة فيديو خطيرة تزعم تسجيل جريمة قتل بمدينة أكادير قبل أن يظهر “الهالك” في المستشفى يحمل كدمات بسيطة وضمادات طبية ويجهر بأعلى صوته أنا حي أرزق. وليس من باب حرية التعبير، أن تدعي صفحة فايسبوكية انتحار شخص بسبب تمتيع مغتصب ابنته بالعفو الملكي، قبل أن تؤكد مصادر أمنية بأن المنتحر عازب، ولم يسبق له أن تزوج وليس له ابنة، وكان نزيل مستشفى الأمراض العقلية في عدة مناسبات.

كما أنه ليس بريئا أن تنشر صفحات وحسابات غير معلومة شريط فيديو لمواطنين من دول جنوب الصحراء في خلاف مع أحد مستعملي الطريق، وتقدمهم على أنهم “أفارقة يسيطرون على الشارع ويفرضون الدفع على أصحاب السيارات والمارة الذين يعبرون الطريق”. أليس في هذا تحريض على الكراهية والحقد والتمييز ضد مواطني دول جنوب الصحراء؟ أليس في هذا تصوير مسيء للمغرب كبلد تسوده الفوضى والميليشيات؟

كثيرة هي الفظاعات التي ترتكبها هذه الصفحات والحسابات في حق المغرب والمغاربة، والأمثلة على ذلك كثيرة، يكفي أن نستشهد فقط بواقعة سوء جوار بين عائلتين بفاس كيف تم “تسويقها” على أنها هجوم لعصابة إجرامية، وشريط فيديو لعراك بين حارس ليلي وجانحين كيف تم تقديمه على أنه حرب عصابات بشوارع البيضاء. أكثر من ذلك، حادثة سير بجروح بدنية بمدينة أكادير أصبحت، بسهولة وبسرعة متناهية، عملية دهس بخلفيات إرهابية شبيهة بالعمل الإرهابي الذي شهدته مدينة برشلونة، كما أن واقعة بسيطة تتعلق بتوقيف ثلاثة أشخاص في حالة سكر بالفناء الخارجي لمؤسسة استشفائية بطنجة، أصبحت هي الأخرى، بفضل قطرات حبر وخيال دافق، هجوما مسلحا على المستشفى.

إن مثل هذه التدوينات الكاذبة يجب النظر إليها بعيون مختلفة، فهناك عين المواطن (ة) الذي يتملكه الخوف من صحة هذه الأخبار ويخشى على سلامته وسلامة أسرته، وهناك عين السائح الأجنبي الذي قبل أن يتوجه إلى المغرب يسأل عن حال طقسه قبل أن يسأل عن حال الوضع الأمني فيه، ثم هناك عين المستثمر الأجنبي الذي يشترط الأمن لمشاريعه، لأن الرساميل جبانة كما يقال، فهي لا تستثمر إلا في الأجواء الآمنة.

لكن قد يتساءل سائل: ما هو السبيل لوضع حد لهذه الفوضى والعبث في التدوينات التي تتناول قضايا الجريمة والحوادث؟ البعض يراهن على التطبيق السليم والحازم لمدونة الصحافة والنشر، خاصة في الشق المتعلق بتقنين وتنظيم المواقع الإخبارية التي تنشط على شبكة الأنترنت، والذي حدد كموعد أقصى له في منتصف شهر شتنبر الجاري. لكن هذا لن يفي بالغرض المأمول، على اعتبار أن مصدر الفوضى هي تلك الصفحات غير المعلومة والحسابات المجهولة التي تنشر أشرطة خطيرة، أحيانا قديمة وأحيانا أخرى مفبركة، وتنسبها إلى المغرب والمغاربة من وراء قناع حرية التعبير.جرائم

ويبقى الحل، مبدئيا، في الاحتكام إلى القاعدة الأولى في التعاطي مع الانترنت والتي تقول ” ليس كل ما يكتب على الشبكة العنكبوتية صحيح”. لذلك، علينا جميعا أن نرفع من منسوب الحصانة الذاتية ضد كل ما يصدر أو يكتب، لأن اللعب بأمن المغرب والمغاربة هو فعلا ” مؤامرة”.

كلمات مفتاحية :
التعبيرحققضايا
اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *