د.بن يـمينة كريم مـحمد 16:28 - 6 ديسمبر 2017

المرأة والعنف… من النص المغلق إلى الخطاب الفتوح

تحضر موضوعات العنف لصيقة بكينونة المرأة، وكأنها خلقت في الأصل للوهن والإهانة والإبانة عن الخطأ والغلط طبعًا واكتسابًا، ويتأكد ذلك من خلال تفكير الفلاسفة والعلماء الأوائل، ورجال الدين من الوعاظ والدعاة، الذين صنفوا العنف من جنس المرأة .. فاستهل سقراط آراءه باعتبار المرأة مصدرًا لكل بلية ومشكلة [الشر]، وكان أفلاطون معاديا للمرأة [الاحتقار] فغابت عن وعيه مثلما غابت عن محاوراته، بينما جاءت فلسفة أرسطو لتدرج المرأة ضمن اهتماماته البيولوجية، وأبحاثه الفيزيقية، فكانت نظرته إليها قاصرة [الدونية] .. وقد يكون هذا التفكير وليد وضعيات اجتماعية فرضتها التقاليد والأعراف، ومواقف رجال السياسة والمال والدين القدماء الذين أصَّلُوا لتعنيف المرأة بالنصوص والخطابات وبالقوانين والمنظومات.

تشكلت الصورة السيئة الملازمة للمرأة بكل ما تحمله من عبارات الذل والذنب ودلالات الذم والشطب [الاحتقار، الإعتداء، العدوان، الإساءة، التدمير، التهديد، الاضطهاد، التهميش، …]، فعُنِّفت داخل تيمات: الإنسان الناقص، والجنس الثاني، أو الجنس الآخر، باعتبار أن الرجل هو الكامل والأول والأصل، وهو السيد وصاحب السلطة والقرار والقانون.. فحضرت المرأة بقرب ألفاظ الغواية والخطيئة في النص الديني المسيحي،

أو الفتنة والنقص والسبي والغنيمة والضلع الأعوج في الخطاب الديني الإسلامي .. أو الخطاب الشعبوي العام الذي يعتبرها أداة للجنس والتنفيس، ورمزا للتملك والثروة، ففي الحروب هي الخاسر الأكبر لإشباع رغبات وغرائز الجيوش من جنود وقادة سبيا ونخاسة، وجعلها درعًا بشريًا رفقة الأطفال والشيوخ لدفع العدو، وتوفير الآليات والذخائر..

كما استخدِمت دموعها ومعاناتها لجلب الرحمة والشفقة في المحافل الدولية لإيقاظ الهمم واستنفار التصويت لصالح الورقة المعنفة والمعفنة.. هي الضحية بكل المقاييس وفي كل المستويات، بحسب الطلب ومقتضيات العوز..

ومثلما خضعت الفلسفة قديما لنظرة الرجل، جاء الأدب ليصفها وينصفها ويصنفها وكذا الفن تارة في جمالها وحسنها ويستغلها تارة أخرى في جسدها وأنوثتها، وقد تنبهر الأنثى لأنها أصبحت موضوعا شاعريا يتطلب جهد فنان أو مخيال شاعر أو نثر قاص، مثلما أصبحت في كثير من الأحيان محط الأنظار والأمثال، وعلامة انحطاط القيم والأخلاق.

والعنف ضد المرأة لا يقف عند الضرب أو التجريح بل يتجاوز كل فقه وفهم، إذ رافق العنف الرمزي أحوال النساء، بين كلام مسكوت وحكي مكبوت، ومنطوقات ألسنية ناشزة وشاذة [الشر، الحشمة، العار، الوأد، الشرف، الحجر، الطيش، الفسق، التهور، الدنس، الفساد، الخيانة، الإغواء، الخطيئة، الجسد، الجنس، العهر، العري، اللعن … ] ليتحول لفظ الحب إلى طيش والجنس إلى دعارة، واعتبرت رسول الشيطان الذي يدخل جهنم في الوقت الذي تمثل فيه ثمرة الجنة ومصير العابد ومكافأة الزاهد وجائزة المجاهد.

حتى في مجال الوصف فالرجل ساحر والمرأة ساحرة، وهو حي وهي حية، وهو مصيب وهي مصيبة، ولك أن تتصور وقع هذه الملفوظات على الآذان وفي الأذهان، حتى أن كلمة العنف لا تصدر من المرأة إلا من باب السخرية والاستهزاء، وكأن العنف المنبعث من الأنوثة هو نوع من الخرق وليس دفاعا عن النفس، وليس في مقدور المرأة أن تمارس العنف، بل عليها أن تتلقاه وتتقبله وأن تقف مدافعة وليس في وضع العابث والمباغت والمرابط، وحين نتحدث عن عنف الممارسة الجنسية فهي مزني بها ومفعول بها وفيها، وإن كان النص الديني قد أورد وسم [الزانية] مقابل [الزاني] إلا أن الرجل مقدم في حال الفعل السليم أما المرأة فيتم الاستفتاح بها في الخطاب البائس لأنها السبب في الفاحشة والأحق بالعقوبة وسوء العاقبة.

تحمل المواقف السيكوباتية الكثير من النرجسية والسادية والانفعالات الطائشة والعبثية.. بل هناك من يعتقد أن تعذيب النساء هو استجابة لرغبة دفينة تحملها كل امرأة ولا تجرؤ على التصريح بها، هذا الاضطراب الذي يؤسس له الرجل في شكل منظوماتي ومؤسساتي مدجن بالحقد والكراهية.. وإذا سألتَ ذكَرا ما: «كيف يكون تصرفك إذا خانتك حبيبتك أو امرأتك؟»، فسيجيبك فورا ودون تردد: «أقتلها .. أقطعها .. تلك الفاجرة»، فقتله للمرأة تطهير وتكفير، وقتلها هي له تطاول وتجاوز لحدود المنطق والعقل والدين.. ولنا أن نتساءل عن هذه الحمولة التعنيفية التي تفوق الإساءة إلى الحيوان أو حتى إفساد الطبيعة، لأن الموضوع يتعلق بالمرأة هذا الكائن المختلف في كل شيء .. والأقل من أي شيء.

يُعد إلصاق مهمة تربية الأولاد بالأم والطهي والغسل والمرافقة عنفا مغايرا، فهي من تتحمل أخطاءهم وأوزارهم، أما الأب فهو الولي عند تفوقهم وتألقهم .. ومنع المرأة من العمل والتسوق والكسب لا من باب الشفقة أو المشقة بل لأنها قد تتعرض للمعاكسة والنكسة … وإذا سمح لها بذلك فحتى تحضر المال للزوج القاعد، والأخ القابع، والأب الكسلان، والابن العاق [الاستغلال]، وفي مجالس الحكمة لها تكتب السؤال في ورقته وتسلمه إلى الشيخ ليجيبها عن حاجتها.. فصوتها عورة ومشيها بطال وتفكيرها عاهة. كيف لا وهي رهينة ومهينة بأمراض فسيولوجية كالحيض والإجهاض والنفاس .. غير أن أكبر ما في الموت من عنف أن تقبل المرأة على هذا الشقاء وكأنها فطرت عليه أو خلق لأجله أو هو سبيل للحفاظ على آدميتها وإنسانيتها وثمرة الخلود في عالم قد تصبح فيه هدية أخرى لمن خدش وجهها وقضم أظافرها وأحرق ضفائرها .. وباعها بورق من زعفران وصك من غفران … لأنها الوديعة والغنيمة.

*د.بن يـمينة كريم مـحمد: أستاذ محاضر بجامعة الدكتور الطاهر مولاي- سعيدة، الجزائر


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • عمر امحمد رد

    احسنت يا دكتور وان مكافحة العنف ضد المرأة هو مسؤولية الجميع ويتطلب إصلاحات قانونية في المنطقة العربية، وما ينقص هذا الوصف الا بيانات وإحصائيات للبرهنة ، ونأمل من حضرتك تزويدي بعض الكتابات الحديثة من مثل هذا النوع وإرسالها على الايميل ان أمكن على الايميل ،، ولَك كل الشكر