البروفسور: خالد فتحي 13:36 - 1 يونيو 2017

حراك الريف.. أي أفق ؟

يصعب عليك ألا تنتبذ لنفسك غير مكان وسط في خضم هذا النقاش الصاخب الهادر حول حراك الريف. ففي كلا الجانبين الاقصيين -اذا كان قلبك على الوطن- لا يوجد سوي العدم واللاشيء، والمشي بمحاذاة التطرف. فأن تترسم الأحداث.. وتتوه في التفاصيل، حيث يكمن عادة الشيطان. أو تدلج طاحونة الجدل العقيم بماحكاته وتأويلاته واسقاطاته وانتصاراته الصغيرة السخيفة لتفحم الخصوم من أبناء جلدتك.!!! ولتميز المخطئ منهم من المصيب..!!! معناه أنك دون أن تدري تغرس اسفينا سككته من مخيالك بين أبناء الوطن الواحد، ومعناه أيضا أنك تختار ضفتك التي توهمت أنها تمثلك، أو توهمت أنك تمثلها، وتناصب العداء لمن بقي هناك يقابلك على الضفة الأخرى فتعود كمن بعضه قد أصبح فجأة ضد بعضه.

هل يمكننا أن تتصور جسدا حيا بدون روح؟ وهل يمكن لأم معطاء أن تتخلى عن إحدى فلذات كبدها ؟ وهل يكون لابن بار أن يعق أمه؟ هل يمكننا أن نتمثل المغرب وقد انفرط عقده لا قدر الله.. مغربا بدون ريفه الأبي.. أو بدون صحراءه الغالية.. أو بدون أطلسه المتوسط الشامخ. هل يمكنك أن تتخيل مغربا مبتورا؟ قد جزت أطرافه.؟ ثم، من ناحية أخرى هل يمكننا أن نتخيل للأبد أيضا مغربا دون أفق؟ مغربا لا يعيش زمنه؟ مغربا لم يثار لنفسه بما يشفي غليله بعد من المرض والجهل والفقر والفاقة ؟ مغربا لم يعرف بعد كيف ينجز ثورته الذكية؟؟ ويصل لبر الأمان. مغربا لم يربح بشكل نهائي جهاده الأكبر ضد التخلف بعد أن ربح جهاده الأصغر ضد الاستعمارين الفرنسي والاسباني.. جهادا كان الريفيون فيه كباقي المغاربة أكثر الرجال شجاعة وبسالة.

ما يقع في الحسيمة منذ سبعة أشهر لا يدمي القلوب فقط. بل، ويدفع بكل المغاربة أن يضعوا أيديهم على هذه القلوب وجلا من تقلبات مصيرهم.. تراه يكون نجاة وسلاما أو على العكس من ذلك يكون هلاكا وشقاقا؟.

لقد سمعنا زئير الريف يتردد في جنبات الوطن.. بعد أن قرف من لا جدوى الحياة السياسية التي عجت بأشباه الزعماء.. ومن عبثية التهافت على الريع وعلى المناصب.. ومن تحول السياسة بفعل تيار الشعبوية الجارف و موضة المتناضلين إلى مجرد هرطقة يغني البيان فيها في عقيدتهم عن الإنجاز على أرض الواقع المعيش للمواطنين.

هذا الوعي الجديد الذي ينجس في الريف، كما في كل أرجاء المملكة، وعي مختلف تماما يجب ما قبله. يتشكل و يتأثث بسرعة رهيبة بفعل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي و بفعل الثورة الرقمية، وضغط المطالب الاجتماعية، والحاجات الجديدة للإنسان المغربي التي جادت بها التكنولوجيا المعاصرة. وعي يلح على الدولة وفي اللحظة ذاتها ودون فسحة زمنية، أن تستجيب، وتلبي، وتكون جاهزة وفق المعايير الحديثة للدولة المتقدمة. لقد أصبح وعي المواطن يسبق واقعه. بعد أن أصبح يتعرف على بحبوحة العيش، فيما وراء البحر، من خلال قنوات لا توجد بمخدعه فقط، بل دخلت عليه حتى جيبه. وبعد أن أصبح عقله مشرعا أمام كل الأفكار والاديولوجيات والاجندات. عقلا منفتحا جدا، لا تصوغه لوحدها كما في السابق، مؤسسات التنشئة الاجتماعية للدولة. كل ذلك جعل كاهل هذه الاخيرة ينوء تحت ثقل المطالب التي تأتي وتتقاطر عليها دفعة واحدة، فتصاب بالإرهاق جراء هذا الازدحام الذي فاجئها ولم تضرب أو نسيت أن تضرب له حسابا.

ولذلك فإننا نحتاج في ظل هذا الوضع إلى كل ذكاءنا الحضاري، لنستوعب ونحدد مآلاتنا ما دمنا حتى اليوم ممسكين بعد الله تعالى بمقود قدرنا. و لنكون رحماء بمغربنا حتى يظل رحيما بنا.

علينا أن نكون في مستوى هذه اللحظة المفصلية وإن كان لابد من ثورة ننجزها.. فلتكن ثورة من الملك والشعب يدا في يد من أجل مزيد من النماء والتقدم والديمقراطية والكرامة لكل البلد. ثورة تدفع بنا الى الأمام، ولا تسير بنا بالمقلوب كما وقع للغير. علينا أن نبدع ثورتنا الثقافية، وأن نمارس النقد الجماعي فهو صمام الأمام للسير بثبات نحو المستقبل.

إن الربيع العربي لم يعد مجرد فزاعة لتحويل الشعوب، بل هو واقع غير بعيد عنا، نلمسه من نعيق البوم فوق أطلال البلدان الشقيقة من مثل سوريا واليمن و مصر وليببا. ومن جحافل إخوتنا السوريين الواقفين على أبواب عواصم العالم بعد أن كانوا هم يوما ما أسياد هذا العالم. وإذا كان المغرب قد نجا بعناية الله من الموجة الأولى لذلك الخريف العربي، فلان له ملكية جامعة و موحدة لكل أطياف الوطن تمتد شرعيتها الى أربعة قرون إن لم يكن إلى 12 قرنا خلت. ملكية مؤهلة لأن تقيه من المجهول سواء كان هذا المجهول فوضى مدمرة أو جمودا مدمرا.

وفي الحقيقة، إن المغربي في قرارة نفسه هو غير المغربي عندما يكون في حضن الجماهير. معها يصدح طلبا للكرامة و رد الاعتبار، ومع نفسه يتمنى للمغرب زيادة على ذلك الرفاء والاستقرار، و يمعن فيترجى الله أن يضن المغاربة ببلادهم على الفرقة والضياع. هذه معادلتنا الحقيقية ملكا وشعبا وحكومة. كيف نتقدم دون أن نتوه ونذوب في الفوضى؟ كيف نتقدم بذواتنا لذواتنا؟ ونقطف لبلادنا غنائم الحراك الاجتماعي دون أخطاره ؟

من المؤكد أن قربنا لأوروبا لم يكن صدفة. ولا انتماءنا للشرق كان كذبة. نحن مسار في التاريخ. أمة وحضارة. وعلينا أن نكون مميزين في غضبنا وتعاتبنا وفنون وابداعات عيشنا المشترك.

علينا كمواطنين أن نعطي لبلدنا قبل أن نأخذ منه. وأن نضطلع بواجباتنا التي هي حقوق غيرنا من المغاربة التي يثورون بسببها في وجه الجميع وفي وجه أنفسهم. أليست الدولة في النهاية هذا النحن؟ أليست في حقيقتها منا والينا؟ ألا يقع على عاتق الدولة بالمقابل، أن تكون من خلالنا نحن، في خدمة كل المواطنين. وأن تكون عليمة خبيرة بمزاج كل فئات الشعب وجهاته.. عارفة بشرطهم الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي في مختلف مدنهم وقراهم ومداشرهم.. دولة تتوقع أماني الشعب قبل أن تواجه مطالبه.. ولم لا قبل حتى أن يفكر فيها.

على الدولة والمواطنين وبسرعة، أن يتخلصوا من عصاب التوجس من بعضهم البعض.. ليتم الاستماع لصوت العقل، و يخرج الجميع من هذه الهستيريا الجماعية، التي لا نجني منها إلا سوء الفهم. ونتكلم أخيرا لغة العصر، ونعمل ونجد ونتدارك ما فات، أكثر مما نتكلم ونتجادل، حتى لا يريد الله بنا سوءا.

لا يهم الآن أن نصطف هنا أو هناك.. فموقفنا من حراك الريف ينبغي أن يكون مرتبطا بأفق. ولا أفق يضمن استمرار التعبير عن الأمل غير الإصلاح في ظل الاستقرار. أي في ظل الملكية التي هي الركن الركين لوحدتنا الوطنية والترابية، وقاربنا الذي ينبغي أن يحملنا لبر السلامة في ظل هذه العواصف الهوجاء التي تهب على العالم وعلى منطقتنا بالخصوص. علينا أن يكون لنا تحليل صحيح وعميق لمقدراتنا وفرصنا ونقاط قوتنا.. لنتصرف بحكمة ودهاء حضاري.. حتى يستمر انموذجنا الفريد بعيدا عن المخاطر و عن كل أشكال التطرف سواء كانت عصبية أو تزمتا أو ميوعة.. لتستمر وسطيتنا ويستمر اعتدالنا وتآلفنا.. ويخلد في التاريخ مثالنا.


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *