عبد السلام المفتاحي 10:28 - 3 يناير 2018

حين تتلبس روح الفنان عالِم الجغرافيا

عندما تهب سنة جديدة ونودّع أخرى لايمضي الأمر – بالنسبة لي – دون شيء من الخوف والقلق والأسى.

كأن الأيام ونحن ندلف نحو أواخر خمسينيات العمر تمضي بنا نحو المنحنى، تقودنا رغما عنا غير عابئة بسوابقنا في الأزمنة المنقضية ، غير مهتمة بصولاتنا وجولاتنا ، فتوحاتنا وصبواتنا وحنحنات خيولنا ، ولا آبهة بسيرتنا التي كانت منذورة للمشاق والمغامرات والأهوال، للعيش الجميل بالطول والعرض، للنفس الأمارة غير المنفطمة من رغباتها المستحكمة، للأسفار وللتيه والهيام وركوب الأخطار، للأسئلة الحيرانة الموجعة المعلقة في المدى بلا أجوبة، لرحيل روحي دائم ومتواصل بأفق لا متناه وعزم لا يضاهى ، بأن نضرب في الأرض حتى لايبقى على البسيطة فضاء لايمكن الذهاب إليه ولا مسألة مستعصية ولا مغامرة مستحيلة.

كنت أعتقد أنني- وفيما كَتب الله لي من العمر إلى الآن – قد رأيت ما رأيت وعلمت ما علمت وخالطت كل الناس والأجناس وخبرت معادنهم وحيلهم وصنائعهم ، كنت إلى حد البارحة أراني قد طوّحت الدنيا الفانية شرقا وغربا بمدنها ومنعرجاتها ومسالكها ومعايشها وسبلها ، وأنه قد انفتح أمامي الشرق فاستلمت حكمته وقارعت أحابيله وهاويته والغرب فاستوعبت في الظاهر على الأقل منطقه وبنيته.

إلى حدود البارحة كنت أعتقد أنني درستُ وقرأتُ وغامرتُ وعانيتُ وأحببتُ وجعتُ والتقيتُ ورأيتُ وجادلتُ وشاهدتُ وشككتُ وحججتُ وأيقنتُ وفهمت….

كنت أعتقد ذلك وزيادة ….وأعتبر أنه فيما عشته إلى الآن كثير من العبر والحكم والخلاصات والمواعظ .

لكن شمس الدين أبو عبد الله محمد المقدسي زعزع يقيني ذلك من خلال تقديمٍ كَتَبَهُ منذ عشرة قرون واطلعت عليه أمس بمحض الصدفة ، وآه كم بدوت صغيرا أمام التجربة الكبيرة المرعبة لهذا الرجل حيث روح الفنان تتلبس عالم الجغرافيا.

ذلك أنه لكي يؤلف كتابه (أحسن التقاسم في معرفة الأقاليم) يحدثنا أنه لم يبق إقليم إلا ودخله ولا خزانة إلا عرفها ولا أهل زهد إلا وقد خالطهم. ولقد سمي بستة وثلاثين إسما دعي وخوطب بها لاختلاف المدن التي حل بها وكثرة المواطن التي زارها….

ثم إنه لم يبق شيء مما يلحق المسافرين إلا وقد أخذ منه نصيبا ، فقد تفقه، وتأدب، وتزهد، وتعبد، وخطب على المنابر، وأذن على المنائر، وأمم في المساجد، وتكلم في المجالس.

وأكل مع الصوفية الهرائس. وطرد في الليالي من المساجد، وساح في البوادي، وتاه في الصحاري. وصدق في الورع زمانا، وأكل الحرام عيانا،وخالط -حينا- السلطان، وملك العبيد .

وأشرف -مرارا- على الغرق، وقطعت على قوافله الطرق، وخدم القضاة والكبرا، وخاطب السلاطين والوزرا، وصاح في الطرق الفساق، وباع البضائع في الأسواق.

وسجن في الحبوس، وأخذ على أنه جاسوس، وعاين حرب الروم في الشواني، وضرب النواقيس في الليالي. وقد سُجِن وحارب واشتغل بتجليد المصاحف بالكرا،واشترى الماء بالغلا، ومشى في السمائم والثلوج، ونزل في عرصة الملوك بين الأجلة، وكم نال العزة والرفعة، ودُبِّر في قتله غير مرة.

وحج، وجاور، وغزا ورابط وكُسي خلع الملوك، وأمروا له بالصلات، وعري وافتقر مرات، وكاتبه السادات ووبخه الأشراف، وعُرض على الأوقاف.

ورمى بالبدع، واتهم بالطمع. وأقامه الأمراء والقضاة أمينا، ودخل في الوصايا، وجُعل وكيل، ورأى دولة العيارين. وأتبعه الأرذلون، وعانده الحاسدون، وسعى به إلى السلاطين.

ولقد ذهب له في هذه الأسفار فوق عشر آلاف درهم، سوى ما دخل عليه من التقصير في أمور الشريعة، ولم يبق رخصة مذهب إلا وقد استعملها: قد مسح على القدمين، وصلى ب «مدهامتان» ونفر قبل الزوال، وصلى الفريضة على الدواب، ومع نجاسة فاحشة على الثياب، وترك التسبيح في الركوع والسجود، وسجود السهو، قبل التسليم، وجمع بين الصلوات….

ذَكَرَ شمس الدين أبو عبد الله محمد المقدسي هذا القدر من الاخبار والمعلومات عن حياته وأسفاره ليعلم الناظر في كتابه( أحسن التقاسم في معرفة الأقاليم) أنه لم يصنفه جزافا، ولا رتبه مجازا، ويميزه من غيره؛ فكم بين من قاسى هذه الأسباب، وبين من صنف كتابه في الرفاهية، ووضعه على السماع.


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *