يوسف بن المكي 11:43 - 8 نوفمبر 2017

حين تُسحل كرامة الأستاذ

أن نشهد جدالا بين أستاذ وتلميذ داخل الصف أو خارجه، في الواقع أو حتى في العالم الافتراضي فهذا أمر “مألوف” واعتدنا على معايشته، ولو أن في القلب ما يدمي، أن تُردَّ كلمة الأستاذ بكلمتين متحذلقتين وبلغة “اليومي” هو كذلك أمرٌ عايناه في غير ما مرة، لكن أن يُضربَ الأستاذ أمام تلامذته ويُهان ويُسحل داخل قسمه، وهو القسم الذي كان عرينا يُخشى جانبه، فهذا إعلان عن اغتصاب منظومة تعليمية مهترئة من قبل أبناء غير شرعيين لمجتمع وُئدت أخلاقه وتربيته. هذا ما وقع ! فلنتأمل الوضع..

لعله من اليسير علينا أن نتداول مفهوما صعبا/سهلا في نفس الوقت وهو مفهوم “التربية”، صعب بحمولته الفكرية وجسامة مهمته وعراقة تاريخه، وسهل في ظل شروط ممارسته، فمنذ أقدم العصور مارس الناس التربية ولم يخضعوها للتفكير والنقد، إذ الإنسانية دأبت على إعداد وتهيئ الأجيال الصاعدة للحياة الاجتماعية من خلال تقسيم العمل والمهام بين الأفراد والفئات، وكان من جملة ما تلقاه أفراد المجتمع المغربي أن “من علمك حرفا صرت له عبداً“، والحرف هنا لا ينحصر في المجال السيميائي التداولي بل يشمل كل ما تلقاه الفرد من الفاعلين في حياته، فكنتَ تَعتبر والدكَ معلماً وجاركَ مدرساً وكبير عائلتكَ أستاذاً وشيخ حَيِّكَ محاضراً لك بالفطرة، على هذا الأساس تربت أجيال داخل سور المدرسة، أو قبل ذلك بالمسيد والكُتاب وعلى هذه الشاكلة نُقلت القيم من وإلى المدرسة، فكانت هاته الأخيرة مؤثرة ومتأثرة بالمعنى الإيجابي في المجتمع وثقافته. والحق أنه تأثير حمل هَمّاً حضارياً أَرَّقَ بال القائمين على الشأن التربوي فأوكلوه إلى المدرس واعتُبر آنذاك “المنقذ من الضلال” منقذاً ينقذ الآباء والأمهات من عقوق أولادهم، ومخلصاً يخلص الدولة ومؤسساتها من انحراف شباب عجزت عن توفير شروط بديلة.

هي ذي مهمة المدرس التي أوكلت إليه رغم جسامتها، مهمة عجزت عن القيام بها كل من الأسرة والمجتمع والدولة بأطيافها فحملها المدرس وهو داخلٌ لمعركة انتصر في بدايتها فوُلِدت هيبته وخُلق وقاره الذي مَكَّنَهُ من الاضطلاع بوظيفته كمُرَبٍّ رَدْحاً غيرَ يسيرٍ من الزمن، لكنه سرعان ما خسر في نهايتها فتكسرت شوكته وذُلت كرامته وضعفت إرادته فأصبح مستسلما مركونا بزاوية البؤس والشقاء، زاويةٌ تدخلت فيها الإرادة السياسية برسمها لمذكرات تقزيمية وقوانين تبخيسية جردت الأستاذ من كل صلاحياته وشجبت دوره في تردي الوضع التعليمي وحَمَّلَته مسؤولية دولة، زاويةٌ أذلتها الثقافة المجتمعية بقصصها البهلوانية المحاكة على الأستاذ وطرائفه المصطنعة، زاوية خسفتها الواجهة الإعلامية بصورها التجريسية على زلات غير مقصودة في بعضها، ومفتعلة في كثيرها.

إننا أمام وضع تأبيني نشيع فيه جنازة آخر رجل من رجال الإصلاح، رَجُلٌ يُكرّم في مجتمعات عرفت حق قدره وعظمت مهمته، أما مجتمعنا فالمدرس فيه يُركل أمام البرلمان ويُلكم في القسم ويُهان.


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ايت عبدي رد

    ما كان المعلم ليخسر معركته لو أن الأسرة وقفت إلى جانبه مؤمنة برسالته، فعندما هب الآباء يتصيدون أخطاء المعلم ويحملون شكاوى أبنائهم أكثر مما تستحق هبوا ضد المعلم عن جهل وعن حسد أحيان وعن عاطفة أبوية مصطنعة أحيانا أخرى، والمذكرات التقزيمية للوزارة جاءت نتيجة لتحرك الأسرة ضد المعلم. عندما كان المعلم مهابا فقد كانت الأسر تخفظ هيبته، فلا أب يقبل شكوى من ابنه، ولا أم تنتقص من قيمته أمام أبنائها، مودتي

    • بن المكي

      جد متفق معك أخي محمد
      التلميذفي نهاية المطافهو نتاج لوضع مأساوي

  • youness رد

    belle écriture

  • هدى شريف الركيبي رد

    أعلن إعجابي بأسلوبك الراقي و لغتك الفصيحة و المعبرة أستاذ يوسف.👍👍