علي الغنبوري 14:12 - 29 سبتمبر 2017

ديمقراطية بنكيران

من بين اهم ما يميز الديمقراطية ، هو تعدد نماذجها و اختلاف أوجه تطبيقاتها ، فمثلا الديمقراطية الفرنسية تختلف تماما عن الديمقراطية البريطانية ، و الديمقراطية الألمانية تختلف عن الديمقراطية السويسيرية … و هكذا دواليك ، لكن الثابث و الغير القابل للتحول او التغير في كل نماذجها و تطبيقاتها هو كونها و سيلة تضمن للشعوب حسن تدبير شؤونها و عقلنة طرق ادارتها في افق تحقيق العدالة الاجتماعية و العيش الكريم و المساواة في الحقوق و الواجبات لافرادها ، و المتتبع الجيد للشؤون السياسية المغربية سيلاحظ بروز نموذج ديمقراطي جديد يرتبط ارتباطا و ثيقا بالأمين العام لحزب العدالة و التنمية السيد عبد الاله بنكيران ، فهذا النموذج الديمقراطي الجديد و رغم انه في مراحله الجنينية الا ان اشعاعه تجاوز بكثير اسوار الحزب الإسلامي ، بحيث اصبح صداه يجد اقبالا متزايدا في صفوف بعض اليسار و اليمين المغربي ، بل تعدى ذلك الى بعض الدول و الامارات العربية ، بالإضافة الى بعض المكونات الغربية التي باتت ترى في فكر و نموذج الرجل مثالا ديمقراطيا عظيما يجب العض عليه بالنواجد نظرا لما يحمل في طياته و ثناياه من خير و رزق وفير .

فالسيد بنكيران الذي حاز على ولايتين متتاليتين على راس قيادة حزب العدالة و التنمية و ولاية حكومية شغل خلالها الدنيا بخطاباته و مواعظه القدسية حول الديمقراطية و دور حزبه و مناضليه الشرفاء في تثبيث أركانها و قواعدها بالبلاد ، هو نفسه اليوم الذي يقدم شخصه كمنقذ للبلاد و العباد من زيغ و انحراف و تدجين نفس المناضلين من حزبه الذين قادوا معه تجربته الحكومية ، و التي اسال فيها بمعية كتائبه المخفية و المرئية انهر و وديان جارفة من المدح و الاطراء لحصيلتها و منجزاتها ، و ذللك من خلال سعيه الحثيث للدوس على كل أنظمة و قوانين حزبه التي طالما تغنى بتفردها و تميزها داخل الساحة السياسية المغربية ، و تغير بنودها ليتمكن من الترشح لفترة ثالثة على راس الحزب .

و لان اشعاع ديمقراطية بنكيران صار له اتباع و مريدين ، فهو اصبح في غنى عن الدفاع عن نفسه و عن بدل الجهد للترويج لنظريته و فكره ، فالمهمة يتولها المؤمنون، و يعملون بكل جد و حيوية للترويج لهذا الطرح، و الدفاع عن احقاقه ، و محاربة الخصوم و الأعداء من داخل الحزب و خارجه ، و يتفننون في ابداع الصيغ المثلى و المفاهيم الضرورية لإقناع المترددين و المشككين في قدرات الديمقراطية البنكيرانية في البناء و النماء و محاربة الشر و تخليص الأرواح من الشياطين و العفاريت .

و تبقى ابرز طبقة من طبقات المؤمنين بالديمقراطية البنكيرانية هي طبقة الاطراء و المديح التي يتزعمها بعض “اليساريين ” المتكلمين ، الذين يجيدون لوك الكلام و حشو مضامينه و ثناياه ، و التي تقود المعركة الكلامية ضد خصوم بنكيران في الحزب بدرجة أولى و الساحة السياسية بدرجة ثانية ، بحيث يتم نعثهم بالمنبطحين و الممخزنين و المنحرفين و الى غير ذللك من الكلمات الرنانة التي نحلوها من ادبيات اليسار ، و خير دليل على ذلك الحرب الإعلامية التي قادوها ضد تصريحات محمد يتيم عضو الأمانة العامة لحزب العدالة و التنمية و التي انتقد فيها وصولية هذه الفئة و طالبهم من خلالها بالابتعاد عن التدخل في شؤون العدالة و التنمية ، و التي انتهت باستقبالهم من طرف بنكيران و اعتذاره لهم عن ما صدر في حقهم من طرف زميله في الحزب.

و بلغت وطأة الحرب التي يخوضوها المؤمنون بديمقراطية بنكيران الى درجات و مستويات قياسية ، بحيث اتهموا 90 في المئة من أعضاء الأمانة العامة للعدالة و التنمية بالانبطاح و التبعية و بافتقاد الاستقلالية و خدمة اجندات الدولة ، كما يعملون على تسفيه العثماني كرئيس حكومة و يدفعون بكل ما اتوى من قوة الى ترسيخ الاعتقاد بهشاشة حكومته و عجزها ، و يجعلون من وزراءها و خاصة وزراء العدالة و التنمية مجرد دمى يتحكم فيهم عن بعد .

طيب لنفترض جدلا ان ما تؤمنون به صحيح ،و واقعي ،و يحمل في طياته الكثير من الخير و التقدم و الازدهار ، و ان بنكيران هو الوحيد القادر على حماية الديمقراطية بالبلاد ، لكن دعونا نطرح مجموعة من الاسئلة ، و لنحاول الإجابة عنها قصد استجلاء الحقيقة و تبين الصالح من الطالح .

اليس بنكيران هو من دبر شؤون حزب العدالة و التنمية لولايتين متتاليتين ؟ و هل ليس بنكيران من تحكم في تفاصيل من استوزر و من كان ضمن فريقه الحكومي ؟ الجواب بطبيعة الحال هو نعم ، فالسيد بنكيران هو من دبر شؤون العدالة و التنمية و هو من اقترح الوزراء و هو من دافع عنهم و هو من تغنى بإنجازاتهم و حصيلتهم و هو من صورهم للمغاربة كملائكة يمشون على الأرض ، و اذا كانت اغلبية قيادة حزب العدالة و التنمية كما تدعون قد اصبحوا منبطحين و مسلوبي الإرادة و لا تهمهم سوى الكراسي الوثيرة ، فمن أوصل الحزب الى هذا المستوى ، فبلا شك هو التدبير السيء لبنكيران الذي جعل الحزب يسبح في الانتهازية و اوجد كل الظروف لانبطاح غالبية قيادته ، فهذه حصيلة تدبيره و تحكمه في دواليب الحزب ، فالحزب تحول الى هذا المسخ على يد بنكيران و تحت قيادته، و نفس الشيء ينطبق على الوزراء فهو كان رئيسهم و موجههم ، و بالتالي فمن حق الجميع ان يتساءل كيف لمن أوصل الحزب الى هذه الفوضى و العبث ان يقدم نفسه كمنقذ له .

و كيف لم يستطع بنكيران و خلال سنوات تدبيره للحزب الطويلة ان يهيء الظروف لابراز خلف له من اطر الحزب ، و كأن العدالة و التنمية لم يكن يوما بدون بنكيران او انه سيختفي بزوال بنكيران ، و كيف تدعون الديمقراطية و تزايدون على الجميع بحكم المؤسسات و انتم توقفون عقاربها على رجل ان غاب غابت و ان بقي بقيت.. و هنا احيل بعض اليسارين المؤمنين بدمقراطية بنكيران على ما قاله ماوتسي تونغ في حق الزعامة ” ان الزعيم الحقيقي هو من يهيء الظروف المواتية لاستغناء عنه في أي لحظة” .

ان الإجابة عن هذه الأسئلة المطروحة أعلاه تدفع و بدون أي تردد الى استشفاء حقيقتين لا ثالث لهما :

اما ان ما قاله محمد يتيم هو الحقيقة بحيث ان هناك من يريد ان يجعل من بنكيران أداة لشن حرب بالوكالة ضد الدولة ، بمعنى ان يصبح العدالة و التنمية “بارشوكا ” تستعمله جهات أخرى لتصفية حساباتها مع الدولة التي تخلت عنها، اما الان الامر يتعلق “بطجين” دسم يخاف البعض ان يحرم منه بمجرد ذهاب بنكيران ، خاصة ان حجم ما اكله و شربه البعض في عهد بنكيران يفوق بكثير جدا ما تحصل عليه أيام حكم بني جلدته .

ان احقاق الديمقراطية يحتاج لمن يؤمن بها ، لا لمن يلتف على تلابيبها و يجزئها وفق مصالحه و اهوائه ، و يجعل منها مادة للمزايدة و الانقضاض على الغنيمة .


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *