عبد السلام المفتاحي 11:19 - 8 يناير 2018

فيلم الحنش : سينما مغربية للقرب أو الفرجة مقال ثمن التذكرة

رغم جو ماطر وبرد قارص يغري بالمكوت في البيوت والإرتكان إلى الدفء، فقد كانت سينما رويال – الرباط ممتلئة هذا المساء (الاحد 7 يناير) عن آخرها، فتيان وشباب وأزواج وأناس في مقتبل العمر ومسنون حجوا للسينما، جاءوا للفرجة والاستمتاع بالفيلم السينمائي المغربي “الحنش”.

لم يمنعهم تضعضع هذه القاعة وهزالتها واهتراء كراسيها وضعف شاشتها وسوء تهويتها من المجيء للفرجة والتمتع والترويح عن النفس. جماهير من مختلف الفئات مقبلة غير مدبرة، ضاحكة مستبشرة، شاهدتِ الفيلم ثم خرجت غير عابسة ولا مغبونة ولا محرجة بمشاهد غير لائقة. واضح أن هذه الجماهير لا تستمع إلى النخبة المختارة من نقدة السينما وحارسو معابدها الذين يعتبرون هذا النوع من السينما الذي تقبل عليه الجماهير إسفافا وضحالة.

المساكين يريدون سينما للتصدير للمحافل والمهرجانات الدولية، فيما الجماهير تريد مقابل ثمن التذكرة فرجة ومتعة وقصة بسيطة بلا تعقيد ولا إيغال في التجريب وممثلين شعبيين قريبين منهم ومن قاموسهم اليومي يمتحون قفشاتهم من قاع المجتمع، يريدون عملا يفرج من همومهم ولا يزيدهم نكدا إلى نكدهم…

فيلم “الحنش” يحكي في قالب كوميدي ودرامي في آن وبشكل سهل ممتنع، قصة شاب عاطل ينتحل صفة شرطي من أجل القوت اليومي والاستمرار في العيش ومواجهة الحرمان والإنتقام لماضي القهر الذي عاشه في طفولته وعانته والدته من خلال تعسف مجتمع بكامله عليها بعد فقدان زوجها.

انتحال صفات رجال السلطة أو غيرهم من الشخصيات المهمة هي قصص مسموعة ومعروفة ومتواترة في المجتمع المغربي ولكن الشأن كما يقول الجاحظ في إقامة اللفظ وهو هنا إقامة البناء السردي السينمائي المتوازن. وحينما يلعب دور منتحل الصفة الممثل عزيز دادس يصبح للقصة معناها وجوها وسخريتها الخاصة. فهذا الممثل/الظاهرة، يجر وراءه تاريخا مميزا وبارزا في مجال الكوميديا وهنا في الحنش يقدم عصارة تجربته في الكوميديا ملفوفة وممزوجة بكثير من اللحظات الدرامية، وهو ما أضفى على أداءه في هذا العمل نكهة خاصة. يستمر ابتزاز بطل الفيلم لضحاياه والنصب عليهم إلى حين انتباه المصالح الأمنية إليه وإلى أفعاله المشينة وتكليف شرطية جميلة بمهمة مراقبته ومعرفة ما إذا كان يشتغل لحسابه الخاص أم ضمن عصابة إجرامية.

السيناريو من تأليف السيناريست والروائي الخبير والمحنك عبد الإله الحمدوشي، وهو يحتوي على ما يكفي من البناء المتماسك واحترام قواعد السرد والبهارات والتحسينات التي أضفى إليها وجود عزيز دادس حياة جديدة ونفاذا إلى قلوب المشاهدين.

في هذا الفيلم نكتشف المخرج إدريس المريني في لون جديد، نكتشف كيف ينقل هواه السينمائي وقدراته الإخراجية كيف يشاء دون أي مركب نقص. بعد الفيلم التاريخي والفيلم البيوغرافي وفيلم المؤلف دون أن ننسى تجربته في التلفزيون يود المخرج إدريس المريني أن يشاركنا معه متعة هذه الكوميديا الجميلة المهضومة. يريد أن يقول: مقامي في السينما مصون ومحفوظ حيث أقيم. وبالفعل فالفيلم إجمالا صمم بكثير من الذكاء والإبداع والجمالية صوتا وصورة وتركيبا وموسيقى. وهو يقدم كل ذلك من خلال استثمار فعال ومقتصد لأدوات السينما ولغتها وبلاغتها وإيحاءاتها دون بخل أو إجحاف. فهو مثلا يقطع ثرثرة عزيز داداس المرغوبة جماهيريا بإطارات من الصمت والدهشة التي تغني عن كل كلام لمجدولين الإدريسي التي أبانت في هذا الفيلم بالخصوص عن قوتها التشخيصية وجدارتها في تقمص الأدوار الكبرى. بين القائلين بضرورة سينما للتصدير للخارج وسينما للقرب تهتم بهواجس عموم المواطنين وليس خاصتهم أو خاصة خاصتهم، واضح أن سوق السينما تتسع للجميع، فقط افتحوا القاعات واطلبوا من القاعات المفتوحة أن يصلحوا كراسيهم المهترئة لأن الأفلام الكوميدية الجماهيرية مثل “الحنش” تأتي لهم هذه الأيام بما يكفي من النقود.


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *