البروفسور: خالد فتحي 15:04 - 16 يونيو 2017

هل يعلن الملك محمد السادس ميلاد ملكيته الثالثة؟

لعل الإصلاح السياسي بما في ذلك شقه الدستوري يعتبر أحد مداخل حل إشكالية حراك الريف. فبعد هيئة الإنصاف والمصالحة ودستور 2011 الذين شكلا محطتين فارقتين في عهد الملك محمد السادس، يبدو أن الشروط قد نضجت لدخول مرحلة جديدة من حكم الملك الشاب، يعلن فيها عن ميلاد ملكيته الثالثة .

فحراك الريف، بمطالبه التي تساءل بنيات الدولة، يؤسس ولا شك لتغيير عميق سيطال وظائف الدولة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإذا كانت عملية التصالح مع الماضي الأليم للانتهاكات والخرقات الحقوقية قد طبعت على بزوغ الملكية الأولى ، فإن الدستور المغربي ل2011 الذي أجاب عن مطالب الشارع، كان قد مهد للملكية الثانية، وبصم عليها من خلال رسم أفق لكل الفئات والحساسيات، وهذا ما سمي في حينه بالاستثناء المغربي. ومما لاشك فيه أن هذا الدستور الذي لازلنا نحتكم إليه ، كان قد غلب عليه آنذاك الطابع الأطفاءي، في وقت كان فيه العالم العربي يغلي بالانتفاضات الشعبية التي نبتت في كل مكان بفعل غياب الديمقراطية الحقة، وتدهور الواقع المعيشي للجماهير العربية موازاة مع ارتفاع منسوب وعيها و وتأجج حماسها، كان دستورا فضفاضا وجدت فيه كل الأطياف والمشارب ضالتها، ولم يكن دستورا محكما يستجيب لمعايير الهندسة الدستورية المألوفة في الفقه الدستوري، انتصر لكل الفئات وأدمج كل المطالب كأولويات ، فلم يحدد مسارا واحدا للدولة بقدر ماألزمها السير في عدة اتجاهات . ولكنه بهذه المواصفات المطاطية أدى مهمته بنجاح باهر، وجنب البلاد ويلات الربيع العربي الذي تحول لدى الجميع إلى خريف اصفر. وهذا في حد ذاته يبدو الآن مهما جدا اذا نظرنا اليوم مليا الى الخلف للفتن التي غرقت فيها كل البلاد العربية.

لقد كشف ذاك الدستور رغم ظروف ميلاده عن مواصفات مميزة للملكية المغربية ،فأبان عن حكمة وتبصر وبعد نظر العاهل المغربي، وعن القدرة الاستباقية للملكية المغربية التي تتميز عن كثير من ملكيات العالم بالتصاقها وانصاتها لنبض الشعب و تكيفها مع المستجدات في عالم أصبح يتغير بسرعة بالغة.

اليوم وأمام إلحاح الحراك الريفي يظهر جليا ان الأمر لا يتعلق بحدث عابر او أزمة مؤقتة، وإنما بجيل جديد من الشباب بمواصفات خاصة وبنفس احتجاجي وايقاع نضالي جديدين، شباب يخزن في ذاكرته الصور المرعبة للحراك العربي في نسخته السورية واليمنية والليبية والمصرية، لكنه يصر مع ذلك على السير قدما في حراكه بثقة في النفس، يحدوه يقين تام على قدرته على تفادي المخاطر المحدقة بهذا الفعل الجماهيري، من خلال حيازة مغانمه دون خسائره.

هذه الواقعية النضالية وهذا الإصرار على ربح رهان هذه المجازفة، وهذا الدفع من قبل المحتجين بنضج الجماهير واتزانها،يطرحون على الدولة تحدي الاستجابة بالشكل المناسب واللائق الذي يجعل من كل حراك فرصة للتقييم والانطلاق من جديد، لابد من الرجوع للوثيقة الدستورية لتخلبصها من الاطناب الدستوري وتكثيفها ودسترتها أي اختزالها في المبادىء العامة التي تحدد الخيارات المجتمعية، لكي تصبح العبرة بالتطبيق وليس بالشكل وعبارات المتن الدستوري، ولايعود تنزيل الدستور تنظيميا مجرد ترف قانوني يمثل كل الإنجاز، و يلهي الدولة عن العمل في الميدان، أو على الأقل اذا لم تتوفر فرصة المراجعة الدستورية ،ينبغي الإسراع بضخ روح جديدة في شريان العمل السياسي من خلال تحرير القرار الاقتصادي للجهات ،وتخليصها من الارتهان في مشاريعها الكبرى للحكومة، وفسح المجال أمام ابداع الجهات وهذا لن يكون إلا بتحول المجالس الجهوية إلى شبه برلمانات جهوية حقيقية تحدد المسارات الاجتماعية والاقتصادية للجهة، مع استمرار إمساك الحكومة بقطاع التعليم باعتباره مجالا للتنشئة الاجتماعية يرسخ اللحمة والهوية الوطنية الجامعة للمغرب.

كذلك ينبغي القطع مع الريع في العمل السياسي وتخليقه من خلال منع الجمع بين الانتدابات والتعويضات، وإعادة تأهيل الأحزاب للعب دورها في الوساطة والتأطير، لن أسترسل أكثر في اقتراح جوانب الإصلاح ،لأقول انه لربما نحن في حاجة إلى رسم أفق جديد لفئات الشعب يمدها بالأمل ويعطيها سببا للعيش، في مغرب ينعم بالخصوص بالعدالة الاجتماعية في ظل ملكية جامعة تواظب على لعب دورها التحكيمي بين كل الحساسيات خصوصا في هذه الظروف العصيبة التي تهب فيها رياح عاصفة ليس على المغرب فقط بل على كل العالم الإسلامي.

فهل يكون التروي الملكي عن التدخل تمليا وتأملا في الوضع قبل اتخاذ قرارات حكيمة تصغي الأجواء، وقبل إطلاق جيل جديد من الإصلاحات تدخل المغرب في مرحلة جديدة أخرى مميزة وحاسمة من حكم جلالة الملك محمد السادس.؟

هذه مجرد رؤوس أقلام و محض تفكير بصوت عال من وحي ماتجتازه بلادنا حاليا.


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *