Barlamane recrute - cliquez ici
د. خديجة صبار 17:49 - 10 سبتمبر 2017

ولدوا في المغرب.. لماذا أضحوا إرهابيين في أوربا؟ هل يصح ربط الإرهاب بمكان الولادة!

بعد أحداث برشلونة الأخيرة التي ذهب ضحيتها  المدنيون الأبرياء، زينت مجلة Jeune Afrique » « الفرنسية غلافها بالراية المغربية ونشرت صور الإرهابيين العشرة المتهمين في العملية على شكل دائرة يتوسطها العنوان  التالي« Terrorisme Born in Morocco » ” الإرهاب ولد في المغرب”. لا شك أن كل ذي ضمير حي يندد بالإرهاب وينبذ العنف الأصولي بجميع أشكاله، لكن هل من الموضوعي ربط الإرهاب بمكان الولادة ؟ هذا ما يفهم من العنوان على الأقل. وهل جميع المغاربة إرهابيين؟ وهل نفس الحكم يكون من نصيب المغاربة العاملين في مراكز البحث العلمي و في الجامعات، وعلى الأساتذة والأطباء والمهندسين، بسبب كونهم ولدوا في المغرب، أم هم هدية ثمينة لم تكلف فرنسا شيئا فيما يتعلق بالدراسة والتكوين، حيث أن بلدهم الأصلي هو الذي قام بذلك؟.

نعلم أن الهندسة الوراثية لم تصل بعد إلى أدلة علمية تربط عامل الوراثة بالعنف أو الإرهاب. وهل يولد الإرهابي بالضرورة إرهابيا؟ هل جميع الحوادث الإرهابية التي عرفها العالم منذ حرب الخليج حتى اليوم من صنع المغاربة؟ وهل يجوز ربط الإرهاب ببلد معين؟ وهل يتصدر المغرب الإرهاب بالفعل؟ وكيف لمجلة معروفة بحرفيتها أن تلجأ لفعل استفزازي غير حرفي كهذا ! أليس في هذا تهرب من مسؤولية فشل أوربا في إدماج شبابها، وإلا  بم نفسر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنيت لاستقطاب المقاتلين من الشباب الأوربيين خاصة، وتشجيعهم على السفر إلى سوريا والعراق للانخراط في الدولة الإسلامية؟ ألم تعلن وكالات الأنباء العالمية أن عددا من الفتيان والفتيات الأوربيين التحقوا بالمجاهدين في العراق والشام، والتحقت عدد من الفتيات بالمجاهدين للزواج  بهم، منهم ثلاث طالبات من مدرسة “دنفر” في ولاية “كولورادو” الأمريكية وهروب عدد من الفتيات من مدارس بريطانية والسفر إلى سوريا عن طريق تركيا؟ كما نقلت صحيفة “ديلي نيوز″ عن خبراء أمريكان قولهم إن التنظيم المتطرف يحاول اصطياد الفتيات عبر الإنترنيت فارشا لهن الطريق إلى دولة الخلافة الإسلامية بالوعود الوردية وبحياة حالمة، وكأن دولة الخلافة هي “ديزني لاند” سوريا والعراق حيث يتوفر العريس والبيت العامر بالمودة (إيلاف 26/10/2014).

ينتهي التحليل السوسيولوجي للإرهاب إلى أن الإرهابي لا يولد إرهابيا وإنما يصير كذلك، بفعل عوامل بيئية واجتماعية وسياسية ودينية مختلفة. و بالتالي فلا بد من دراسة العوامل والأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعقائدية التي تدفع لهذه الظاهرة أو تنتجها، لأنه يتطلب وجود ظروف وشروط مسبقة وحوافز للممارسة، وله أهداف كالمصلحة والقوة والسلطة. ففي أوربا عموما وفي فرنسا بالخصوص يجد شباب المهاجرين أنهم يعيشون في بطالة في بلدان ذات مستوى عيش مرتفع ولأنهم لا يستطيعون الاستمتاع بها مثلما لا يستطيعون الاندماج بحكم السياسة الفرنسية التي تعزلهم في أماكن معينة، مثلما لا يستطيعون الاندماج في مجتمعهم الأصلي: تضافر الشعور بالتهميش والاستلاب يسهل عملية استقطابهم في تنظيم الدولة الإسلامية. لم يرافق التحرر الاقتصادي والتقني التمتع بالحقوق السياسة بقدر ما نتح عنه سوء التدبير والفساد والفوارق الاجتماعية العميقة والتمييز، فتولد الشعور بالظلم وفقدان الثقة في الإدارة وفي السياسات وفي الحكومات المتعاقبة.

لا يقتصر الأمر على شباب يشكل التهديد الحقيقي لحياة المدنيين الأبرياء في مختلف مدن أوربا فقط بل إن سياسة دوائر صنع القرار في الغرب تتحمل الجزء الأعظم من المسؤولية عما يحدث من الأعمال الإرهابية التي يذهب ضحيتها المدنيون الأبرياء؛ تشابك المصالح  الكبرى وصراع الأجندات الإقليمية والدولية هو ما يشكل التهديد الأكبر، بالإضافة إلى الخطر في نموذج السيرورة العالمية الذي يحتوي على عدة مساوئ: رفاهيتة تعمم البؤس، فردانيته التي انقلبت إلى أنانية وعزلة تنسي التمسك بالأمل، وتجعل الشباب طعما سهلا لحملات الترويض الديني والتعبئة العقائدية ضد الآخر المختلف دينيا، وتستند هذه الحملات لدى السلفيين أساسا على الوضع السياسي الدولي والهيمنة الأمريكية والحرب على أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا واليمن وانحياز الولايات المتحدة الأمريكية إلى إسرائيل.

نورد من خطاب محمد السادس إلى الدورة التاسعة والستين لمنظمة الأمم المتحدة بتاريخ 25-09-2014 هذه الفقرة:” لقد خلف الاستعمار أضرارا كبيرة للدول التي كانت تخضع لحكمه؛ فقد عرقل مسار التنمية بها لسنوات طويلة، واستغل خيراتها وطاقات أبنائها، وكرس تغييرا عميقا في عادات وثقافات شعوبها، كما رسخ أسباب التفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وزرع أسباب النزاع والفتنة بين دول الجوار. فرغم مرور العديد من السنوات، فإن الدول الاستعمارية تتحمل مسؤولية تاريخية في الأوضاع الصعبة، والمأساوية أحيانا، التي تعيشها بعض دول الجنوب وخاصة بإفريقيا”. ويضيف نفس الخطاب:” إن العالم حاليا في مفترق الطرق، فإما أن يقوم المجتمع الدولي بدعم الدول النامية لتحقيق تقدمها وضمان الأمن والاستقرار بمناطقها، وإمّا أننا سنتحمل جميعا عواقب تزايد نزوعات التطرف والعنف والإرهاب، التي يغذيها الشعور بالظلم والإقصاء، والتي لن يسلم منها أي مكان في العالم”. ونختم بقول مقتطف من كتاب (الهويات القاتلة ص 101-102 )لأمين معلوف:” كيف لا ينشأ لدينا شعور بأننا نعيش في عالم يتملكه الآخرون ونخضع لقواعده المملاة من طرف هؤلاء، عالم حيث لا نكون إلا كالأيتام والغرباء والدخلاء والمنبوذين؟”


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *