18:33 - 13 مايو 2018

ملف الأسبوع: هل يخلق العثماني الحدث ويقدم استقالته من رئاسة الحكومة؟

برلمان.كوم-لحسن بوشمامة

تعالت الأصوات المطالبة بإقالة حكومة سعد الدين العثماني في وسائل الإعلام وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح هذا المطلب حديث المجالس الخاصة والعامة تتداوله شرائح واسعة من الشعب المغربي.

وارتباطا بذلك، فالواقع يؤكد بأن مطلب إسقاط الحكومة لا علاقة له بالمزايدات السياسية للمعارضة تحت قبة البرلمان، ولا هو بمطلب فئة أو جهة ما، وإنما يعد مطلبا شعبيا بدأ يتمدد بشكل متسارع.

وبالنظر إلى السياق العام الذي تشكلت على ضوئه حكومة العثماني، والذي زاد من  ضبابية أفقها السياسي، فإن هذه الحكومة أثبتت بوضوح بأنها عاجزة تماما عن تدبير الأزمات، وغير قادرة على الاستجابة للانتظارت الشعبية والمطالب الاجتماعية.

هذه الخلاصة ليست نتيجة اعتباطية، بل هي نتاج تقييم موضوعي لعمل ووضع الحكومة على امتداد السنة الأولى من تشكيلها، الذي أفضى في نظرنا إلى ثلاثة استنتاجات رئيسية.

أولها، وجود أزمة بنيوية هيكلية في تدبير الحكومة للأزمات الطارئة، وهو الأمر الذي ورثته عن حكومة ابن كيران، بحيث ظهر ارتباكها في أزمات متعددة ومتكررة بنفس الشكل والمخرجات، كأزمة الريف وتكرر ذلك مع أزمة جرادة وزاكورة وغيرها، ثم انتهى الأمر بإفلاس تدبيري وتواصلي في أزمة مقاطعة بعض المنتوجات المغربية.

وعلى هذا الأساس، فقد أصبح من الثابت اليوم أن الحكومة تفتقد إلى جهاز إنذار لتوقع حدوث الأزمات  واستشعار مخاطرها، كما أنها تفتقد إلى اليقظة اللازمة من أجل معالجتها، وهذا ما يزكي غياب رؤية إصلاحية حقيقية مبدعة للحلول لدى رئاسة الحكومة والأحزاب المشكلة لها.

ثاني الاستنتاجات، هو وجود وزراء لا يستوعبون أهمية دور الوزير  كعضو في السلطة التنفيذية، فقد تابع الرأي العام كيف يقول وزير بأنه غير معني بالمقاطعة، وآخر يقول لا تعليق وآخر يتهرب من الإجابة، وهكذا ظهر جليا أن حالة من التشفي النفسي تحوم حول أزمة المقاطعة.

وبدا جليا كيف التزم حزب “العدالة والتنمية” الذي يقود الحكومة، الصمت، وكيف تصرف وزراؤه وبرلمانيوه وقياديون به مع حملة المقاطعة، وأبانوا عن انتهازية خطيرة تحركها رغبة نفسية دفينة في القضاء على خصم سياسي، وإن كان الثمن تدمير اقتصاد البلاد وضرب قدراته، وإدخال القضايا الملحة للمواطنين إلى قاعة انتظار لا حدود لها؛ وهذا تصرف يعكس الثقافة الموجودة لدى تيارات إسلاموية كثيرة لا تشتغل بمنطق الوطن، وتفضل مقابل ذلك منطق الأمة الكبيرة الممتدة خارج الحدود الترابية للبلد.

ثالث هذه الاستنتاجات، أن هذه الحكومة فشلت في الإنصات للمطالب، ولم تتفاعل بالشكل المتوخى والمفترض في مؤسسات الدولة، يليه فشل ذريع في تدبير العلاقة الوسائطية التفاوضية بين المواطن والمقاولة والدولة، تجلى في ضعف التواصل وقصور الخطاب السياسي المرتبط بمعالجة الأزمات، وبدا أكثر وضوحا في التناقض الحاصل بين مكونات وأطياف الحكومة في تواصلها مع المواطنين بطريقة تنم على أن الحكومة لا تتوفر على أي عناصر حقيقية للإجابة، أو أي عناصر لغوية أو منطقية محددة للتواصل الإيجابي والمؤثر، فراكمت بذلك ضعفا كبيرا سبب لها شللا في الحركة، وضبابية في الرؤية وعقما في الأفكار، وقصورا في التواصل.

وإذا أضفنا إلى هذه الاستنتاجات حالة التشظي والانقسام التي يعرفها حزب “العدالة والتنمية” منذ إعفاء عبد الإله بن كيران، وتصاعد حدة المواجهات التنظيمية والسياسية بين الأجنحة المتصارعة داخله، فقد نتكهن من الآن بأن سعد الدين العثماني سيكون أمام خيار تقديم طلب إعفائه للملك.

ولعل ما يزكي هذا التكهن هو تزايد وتيرة الضغوطات على رئيس الحكومة من طرف قواعد “البيجيدي” وعدد كبير من قيادييه وأعضاء فريقيه بالبرلمان، الذين يعتبرون استمرار جلوس أمينهم العام على كرسي رئاسة الحكومة بمثابة الخطر الوجودي الذي يهدد حزب “العدالة والتنمية”، ويضر بصورته التي اهتزت كثيرا في أوساط قاعدته الانتخابية.

كما أن طبيعة الشخصية الهادئة لسعد الدين العثماني التي لا تقوى على تلقي الضربات من داخل حزبه ومن داخل حركة “الإصلاح والتوحيد” الذراع الدعوي للمصباح، بالإضاقة إلى حرص العثماني على صورته كزاهد في تحصيل المكاسب السياسية، يغلب عليه الإيثار في علاقته بحلفائه، ويرفض منطق الاصطدام بخصومه عكس سلفه ابن كيران؛ كل هذه العناصر والمعطيات تجعل المقربين من رئيس الحكومة قبل غيرهم يجزمون بأن سعد الدين العثماني سيجد نفسه مجبرا على تقديم طلب إعفائه للملك، خصوصا وأنه طبيب نفساني يحسن قراءة التحولات في السيكولوجية السياسية العامة للمجتمع المغربي، وتحليل السياق العام الذي بات يفرض رحيل هذه الحكومة، كحل إجرائي  مؤقت للتنفيس على الأقل  عن تأزم الوضع السياسي، والذي لن يسمح لها بأي حال من الأحوال بأن تكمل ولايتها إلى غاية 2021.

فهل يفتح العثماني بطلب إعفائه من رئاسة الحكومة الباب نحو تشكيل حكومة جديدة إيجابية لا تركن للسلبية والتقاعس، حكومة أكثر تواصلا وإنصاتا وأكثر فاعلية في إيجاد حلول جديدة للمشاكل القديمة والجديدة؟

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *