برلمان.كوم - الاستهلاك في رمضان... بين حمى الشراء ووصايا الزهد والقناعة (فيديو)
15:03 - 16 يونيو 2016

الاستهلاك في رمضان… بين حمى الشراء ووصايا الزهد والقناعة (فيديو)

سكينة بن بلا

يقبل شهر رمضان الفضيل كل سنة، وسط أجواء الفرحة والسرور والترحيب من لدن جميع الأسر المغربية. ولكن المبالغة في الاستعداد لتزيين الموائد بمختلف الأصناف، أكثر من الإعداد للقيام بأعمال الخير والإحسان أو التعبد، بات ظاهرة مثيرة للانتباه.

فلم اذن ارتفعت في السنوات الأخيرة حمى الشراء والهوس بملء الموائد بمختلف الأطعمة؟

ظاهرة الشراء والاستهلاك المفرط للغذاء وبالتحديد في رمضان، جعلت المندوبية السامية للتخطيط، تجري بحثا خاصا حول نفقات استهلاك الأسر المغربية خلال الثلاث سنوات الأخيرة.

وأبان البحث عن أن المغاربة زادوا من نفقاتهم على موائد الإفطار بنسبة 16.3 بالمائة منذ يوليوز 2013.

وتصدرت قائمة مشتريات المغاربة الفواكه، متبوعة باللحوم، ثم الحبوب، بالإضافة إلى الحليب ومشتقاته.

هذه المشتريات أو التحضيرات عموما ليست وليدة الساعات الأولى من أول يوم من الشهر الفضيل، بل إن التحضير لهذه المناسبة يكون قبل أسابيع من حلول رمضان، حيث يتم الإعداد لأطباق “سلو” و”الشباكية” والعديد من المأكولات التقليدية الأخرى.

ثم يحين شهر الصيام والزهد كي تمتلئ سلال التسوق بما لا يعد ويحصى من عبوات العصائر والحليب والحلويات والأجبان، التي يضيع الكثير منها هباء على مائدة تختلف عن مائدة النبي الكريم الذي كان يقتصر في إفطاره على الماء والتمر.

142651

برلمان.كوم توجه إلى مجموعة من المختصين في مجالات الصحة والدين والمجتمع لمحاولة تفكيك ظاهرة “الإسراف” في رمضان وتوضيح أسبابها وتداعياتها على المجتمع المغربي.

الباحث في علم الاجتماع علي شعباني أجاب عن هذا التساؤل بالقول إن رمضان مرتبط في عقول المغاربة ب”مناسبة” أو “موسم” له طقوسه وعاداته، وإن بدت مبالغا فيها أو تتسم بكثير من الاسراف والتبذير، فإن المغاربة يبررون الاسراف في الأكل بالولائم والزيارات، وضرورة تقوية الجسد بعد صيام طويل، كما أن طابع عدد من المأكولات الرمضانية يجعلها تحضر بشكل قوي إلى جانب مأكولات أخرى ما يتسبب في الكثرة.

images (1)

رمضان تحول ل “موسم” محصور في الطقوس والمراسيم

شعباني قال في جوابه عن سؤالنا حول “الموسمية” التي تغير من عاداتنا على مدار 30 يوما، إن “الظاهرة تشترك فيها جميع الحضارات والثقافات، ففي أي بلد مهما اختلف عنا في عاداته وطقوسه فستجد أن له مواسما وأعيادا له طقوس خاصة تستوجب كثرة الشراء والانفاق كتعبير عن مظهر من مظاهر الفرحة والتجاوب”.

إلى ذلك قال شعباني إن الاستهلاك “المفرط” في رمضان، لا يقتصر على الطعام، بل يتجاوزه لعدد من الأنشطة كالسهر والخروج والمطالعة وحضور الأمسيات وزيارة الأهل والتعبد، حيث تزيد وتيرة هذه الأنشطة في الشهر الفضيل لتتراجع بعد خروجه… “بل حتى الإعلام والقنوات التلفزية تتغير فجأة في رمضان والأسواق كذلك والمواقع الاخبارية… الموسم يفرض تغييرا جذريا على حياتنا”.

almaghribtoday-مسلسل_وعدى

وباعتبار شهر رمضان شهرا روحانيا ودينيا بامتياز، فرأي الدين في الإسراف والتبذير كان من أهم مراحل إعداد هذا الربورتاج.

رمضان شهر زهد وتقوى واحساس بالفقير

الشيخ محمد عبد الوهاب رفيقي تحدث لبرلمان.كوم عن مفهوم الإفطار والصيام على حد سواء في الإسلام، وعن مقاصد الشرع من هذا التكليف فقال:

16480ccaaa0146e49634697f792b5f74_XL

“الصيام كما جاء في الآية الكريمة التي جاءت بتشريعه، الغرض منه تدريب النفس وتهذيبها، فقد قال الله عز وجل : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، فالمقصد هو تحقيق التقوى، والتقوى مصطلح عام يندرج تحته كل ما فيه تمرين للنفس وتربية لها، ومن هذه التربية الإحساس بالجوع والعطش، ومواساة الفقير من الغني بالتضامن معه شهرا كاملا، وتحسيسه بما يحس به ذلك المحتاج وما يعانيه من حرمان، والإفطار كذلك المقصود به دفع الجوع فقط وليس تعويض ما فات أو الانتقام من جوع ذلك اليوم، فمقاصد الصيام لا بد أن تكون مرعية والا لا فائدة من الصيام”.

وعن حكم الدين في الافراط في الإعداد لهذه الموائد، ما قد يبلغ حد التبذير قال الشيخ:

“قد يصل هذا الإسراف والتبذير لدرجة الحرمة اذا جاوز الأمر المعتاد والحد المقبول ، فما نراه للاسف على بعض الموائد من اسراف وأطعمة واشربة يرمى غالبها ولا يستهلك؛ فلا شك أن هذا مما لا يرضي الله تعالى، ولا يقبله شرع ولا منطق”.

116

ودعا الشيخ أبو حفص المغاربة إلى تقسيم تلك المبالغ بين الحاجة للطعام لدينا وسدها لدى الآخرين قائلا: “الأولى، أن نساعد المحرومين ورمضان ليس شهر الاستهلاك، بل شهر المواساة وشهر الجود والكرم والعطاء، فبدل ذلك الاستهلاك المغالى فيه، كان أولى لو صرف منها للفقراء والمحتاجين وفي مشاريع الخير والاحسان، عاداتنا تتضارب تماما مع مفهوم التضامن مع المحتاجين، ما يجعلنا لا نستفيد من التمرين الأساسي الذي من المفروض أن يحثنا الصيام عليه.

الأطباء والمختصون في مجال التغذية، لم يبتعدوا كثيرا في موقفهم من هذه الظاهرة السلبية المستشرية في المجتمع المغربي.

أن تصوم معناه أن تحجم عن الأكل والشرب نهارا وتقتصد في ذلك ليلا

يقول الدكتور هشام فنيش الطبيب العام وأخصائي التغذية: “رمضان هو فرصة للجسم كي يتخلص من السموم المتراكمة على مدى السنة… “صوموا تصحوا معناها صيام بالنهار وأكل صحي بالليل حتى نقلل من السعرات الحرارية ليلا ونتخلص من باقي السموم في جهازنا”.

ytr

وأضاف الدكتور: أكل كميات كبيرة من الطعام عند الافطار يسبب مشاكل في الجهاز الهضمي لأن هذا الجهاز يكون في راحة طوال النهار وبالتالي فيجب أن يتم الاقتصار خلال وجبة الافطار  على رفع معدل السكر في الدم بتناول التمر ومد الجسم بما يحتاجه من الماء… كما يجب أن نعلم أنه كلما أكلنا في الليل أكثر سنجوع أكثر نهارا”.

وأوصى الأخصائي الصائمين بالتعود على تناول وجبات قليلة السعرات الحرارية كي يدفعوا الجسم لاستخدام مخزونه من الدهون، وهو تدريب يجعل شعورك بالجوع يقل ويجعلك أكثر خفة وقدرة على صلاة التراويح”.

التمر-.-ثقف-نفسك-22

وحول نوعية الأغذية الواجب تناولها يقول الدكتور فنيش: “السحور وجبة مهمة وهي الأولى بالتركيز والاهتمام.. ولكن يجب أن تحتوي على أغذية متنوعة وذات جودة، كالموز الغني بالبوتاسيوم والتمر… ومن المأكولات المغربية الشهيرة مثلا يمكن تناول الشريحة و”البطبوط” و”الرايب”… مايجب معرفته هو أن هذه الوجبة هي الأخيرة ويجب أن تكون متوازنة لان أي زيادة في الكميات سترهق الجهاز الهضمي فيجب التركيز بالأساس على أطعمة صحية”.

وتابع الدكتور قائلا: “علينا ألا ننسى شرب المياه لكن ليس دفعة واحدة، شرب مايعادل لتر ونصف إلى لترين من الماء يوميا سيفي بالغرض… كما علينا تجنب الاطعمة التي تحتوي على الكثير من السكر فقطعة واحدة من الشباكية مثلا تساوي ما يعادل 15 قطعة من السكر.. لذلك يجب التوجه لما هو مفيد كتناول البروتين من مصادر جيدة مثل الاسماك واللحم الأبيض مع تجنب اللحوم الحمراء التي تتطلب وقتا أكثر للهضم وكذا تقسيم الأطعمة على ثلاث وجبات خفيفة وليس وجبة واحدة “ضخمة عند الافطار”.

رمضان قناعة وزهد لا شراهة ونهم

في نهاية المطاف الأمر يتعلق بالصفاء الروحي والذهني والتدرب على الصبر والقناعة والإحساس بالآخر. هذا التدريب قلة من يخرجون من شهر الرحمة وقد أنجزوه بنجاح. وعل مارك هولاند النائب الليبرالي بالبرلمان الكندي من هؤلاء القلة الذين اقتربوا من معاني شهر الرحمة، بعد أن قرر صيام شهر رمضان كاملا مع أنه غير مسلم لأهداف انسانية.. فخرج بهذه التجربة الناجحة.

 

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *