استمعوا لبرلمان راديو

22:58 - 25 مارس 2015

الداخلة.. في قلب الأطلسي وقلبك صحراء وشبه جزيرة مغربية وأكثر

جوسلين إيليا

لم أزر المغرب من قبل، على الرغم من أنني زرت أقاصي بقاع العالم مثل أستراليا والصين وفيتنام، والسبب أنه لم تأتِ الفرصة المناسبة لزيارة تلك البلاد الجميلة والقريبة التي لطالما سمعت عنها من أهلها وكل من زار مدنها الرائعة مثل مراكش أو الدار البيضاء والرباط وافران.. ولكني لطالما عرفت أني سأزور تلك البلاد، ولكن ما لم أعرفه هو أن دخولي إليها سيكون من صحراء «الداخلة» شبه الجزيرة القابعة في جنوب المغرب والتي تعانقها مياه البحر الأطلسي لتكون مشهدا يترجم الرومانسية في ريعان الشباب، وحبا عذريا تماما مثل تلك البقعة الجغرافية الفريدة التي لا تزال عذراء خجولة وجميلة، ولكنها في نفس الوقت آيلة لتكون من أجمل النساء وأكثرها فتنة لما تحويه من مضمون وشخصية لا يليق بها إلا لقب «جميلة الصحاري».

قلة من الذين قاموا بزيارة الداخلة بمن فيهم أهالي المغرب، ويكون السبب وراء ذلك هو أن تلك المدينة لا تزال في بداية المشوار على الرغم من امتلاكها المقومات السياحية اللازمة، وقد تكون قد استقطبت أنظار الغربيين قبل أن تسحر الشرقيين، فصنفتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية من بين أفضل الوجهات السياحية العالمية الحصرية عام 2012، بالإضافة إلى كونها ثاني أكبر مدينة بالصحراء المغربية.

ومن اكتشف تلك البقعة الجميلة حتى الآن هم من الجنسية الفرنسية والإيطالية والأميركية ومن زارها عرف مسبقا بأنها من أفضل عناوين ممارسة الرياضات المائية مثل ركوب الأمواج وتطيير الطائرات الورقية والتزحلق على الماء، وزوارها يتراوحون ما بين السياح المغامرين والزائرين الأبطال العالميين في رياضات مائية شتى يأتون للتدرب نسبة لمناخ المدينة الصحراوية ورياحها شبه الدائمة التي تعتبر مناسبة جدا لهذا النوع من الرياضات.

* من باريس إلى الصحراء

بدأت الرحلة كالعادة من لندن، ولكن هذه المرة لعبت الفرانكوفونية دورها وألقت اللغة الفرنسية بظلالها منذ اللحظات الأولى للرحلة التي انطلقت بعد وصولنا إلى باريس عبر قطارات «يوروستار»، وفي صباح باريسي ماطر كان لا بد أن نترك الغيوم التي كانت تلبد سماء العاصمة الباريسية متشوقين لرؤية الشمس التي تبسط أشعتها على «الداخلة» على مدار أيام السنة.

بصراحة لم أكن أعرف ما ينتظرني في الداخلة، لأني لم ألتقِ بأحد كان قد زارها من قبل ليزودني بالمعلومات، كما أن المعلومات المتوفرة على الإنترنت محدودة، واكتشفت بعدها بأنها لا تنصف جمال تلك البقعة.

كانت الرحلة الخاصة مع شركة «ترانسافيا» التي تؤجر طائراتها إلى وجهات مختلفة، واستغرقت الرحلة من مطار «شارل ديغول» إلى مطار الداخلة نحو الأربع ساعات، ومع اقترابنا من المدينة نصح الطيار المسافرين الجالسين عند الجهة اليسرى بالتمتع بمنظر صحراء الداخلة وهي تدخل في عباب البحر الأطلسي، سمعت بأن المشهد كان رائعا، لأنني للأسف كنت أجلس عند الجهة اليمنى، ولكن الأمر لم يقلقني لأنني كنت على يقين بأن الصحراء لن تبخل علي بجمالها ما أن تطأ قدمي أرضها وأغطها في ماء بحرها.

وبعد الخروج من المطار الصغير، كانت الموسيقى الحسانية الصحراوية باستقبالنا، وامتزجت مع أزيز الرياح اللطيفة التي كانت تلفح «لحاف» النساء الصحراويات (زي صحراوي تقليدي يعرف باسم الملحفة أو اللحاف) وهن يقمن بتحضير الشاي المغربي التي كانت تفوح رائحته من كل أرجاء الخيمة في فناء المطار.

في الطريق إلى مكان إقامتنا في فندق «باب البحر»، لاحظت الهدوء والنظافة، والأبنية الصغيرة البيضاء التي لم تفلت من هيمنة الأطباق الفضائية اللاقطة التي تعلوها، الشوارع واسعة، والأرض مسطحة بشكل لافت وتحيط بها الرمال من كل جنب باستثناء الجهة المطلة على البحر، فالداخلة التي تعرف أيضا بوادي الذهب، تعد شبه جزيرة لأن البحر يحيط بها من جنوبها وشرقها وغربها، أما في الجهة الشمالية فترتبط بالعالم البري، وتكون النتيجة صحراء جميلة وكثبان رملية برسم الاستكشاف.

* زيارات خاصة

في الداخلة هدوء ملحوظ وأمان ملموس، فيكفي أن تقوم بجولة مشي في وسط المدينة القريب من مطارها حتى تتعرف على طيبة شعبها وهندستها المعمارية التي لا تزال متأثرة جدا بالنمط الإسباني وكان يطلق عليها في عهد الإسبان اسم Villa Cisneros وكان يسكنها صيادو الأسماك نسبة للثروة السمكية التي تشتهر بها الداخلة التي شيدت عام 1884 ولا تزال لغاية اليوم هناك نماذج وأبنية وساحات تعود لأيام الإسبان بما فيها كنيسة كاثوليكية تفتح أبوابها أمام المصلين أيام الآحاد.

ومن أجمل الزيارات في الداخلة، هي زيارة الكثبان البيضاء Dunes Blanches، فالرحلة إليها من وسط المدينة تستغرق نحو العشرين دقيقة بواسطة السيارات رباعية الدفع تصل بعدها إلى مدخل ذلك القسم من الصحراء، فتقوم برحلة مشي على الأقدام لنحو النصف الساعة، ولكن شغفك للوصول إلى تلك الكثبان التي تزين الأفق القريب، وعلى رمال بيضاء ناعمة كالحرير، ناشفة أحيانا ومبللة أحيانا أخرى بسبب ولوج مياه الأطلسي إليها، تصل إلى تلك التلة الرملية الرائعة، وبمجرد وصولك إلى القمة لن تتماسك أنفاسك، وستقف كتمثال مسمر مسحور بمنظر تلك الصحراء الغريبة، فتجد بحيرة ضحلة تتباهى بزرقة مياهها وتغازل الرمل الذي تبلل أطرافه. المشهد أكثر من جميل، فعادة ما يكون منظر البحر والجلوس على شاطئه من أكثر ما يهدئ الأعصاب فتخيل هنا، لديك البحر والصحراء سوية.

وبعد الجلوس والتمتع برؤية البحر وطيور «الفلامينغو» بوقفتها الأنيقة، كان قد حان موعد زيارة واحدة من أهم مزارع المحار في الداخلة وتوجد في منطقة «بوطلحة» ويطلق عليها اسم «طلحة مار»، ويمكن أن تجد الأقفاص في قعر الماء وفيها الآلاف من المحار التي يتم تصديرها للخارج، ومن الممكن أن تتذوق في المزرعة أجود أنواع المحار على الإطلاق. كما توجد في المزرعة أنواع لا تحصى ولا تعد من أنواع الأسماك التي تستهلك محليا وتصدر أيضا للخارج.

وبعد المحار كان لا بد بأن تتحفنا الداخلة بسر آخر وهو أنها من أكبر مصدري الطماطم إلى أوروبا، فتوجهنا إلى مزرعة ضخمة لزراعة الطماطم في خيم مخصصة تنتج كميات كبيرة وتباع في كل أرجاء أوروبا بما فيها المملكة المتحدة، واللافت هو حلاوة مذاقها لدرجة أنك ستنسى أنك موجود في صحراء قاحلة.

* نشاطات رياضية

إذا كنت من محبي الرياضات المائية فأنت في المكان المناسب، فتعتبر الداخلة من أفضل الأماكن التي تتماشى مع رياضات يلعب الريح فيها دورا أساسيا مثل التزحلق الشراعي Kitesurfing وتطيير الطائرات الورقية Kite Flying بالإضافة إلى صيد الأسماك والتزحلق على الماء وممارسة هواية الـ«جيت سكي». وكل هذه الرياضات متوفرة في منتجع «الداخلة أتيتيود» Dakhla Attitude الصحراوي الذي يضم خيمة ضخمة تقام فيها جلسات شعر وغناء من التراث الصحراوي الجميل ويقدم أفضل أطباق السمك.

ولمحبي الفنون يمكنهم زيارة متحف صحراوي للفنون ومركز الحرف والفنون في الداخلة. ومن الممكن أيضا زيارة المرفأ الذي يقف شاهدا على حركة السفن وقوارب صيادي الأسماك ويعتبر أهم ميناء في القارة الأفريقية.

* التسوق
توجد في الداخلة سوق شعبية قديمة، تبيع المنتجات محلية الصنع في محلات صغيرة متراصة جنبا إلى جنب، كما توجد بسطات صغيرة على الأرض تبيع الأقمشة والملبوسات التقليدية، من دون أن ننسى محلات بيع مختلف أنواع الشاي ولو أن بعضها «صنع في الصين» ولكن تبقى طريقة تحضير الشاي هي الأهم.

* المناخ

يتميز المناخ في الداخلة كونه معتدلا ودافئا طيلة أيام السنة، فتتراوح الحرارة في فصل الشتاء ما بين 16 و24 درجة مئوية في حين تكون درجات الحرارة في فصل الصيف ما بين 23 و32 درجة مئوية، وهذا ما يعتبر تميزا فريدا بحيث تبقى درجات الحرارة تبقى مقبولة ولو في عز أيام الصيف. أما الرياح فهي موجودة دائما أما حرارة مياه البحر فتتراوح دائما ما بين 16 و23 درجة مئوية.

* الإقامة

تنتشر في الداخلة عدة فنادق بمختلف المستويات، ومن أهم عناوين الإقامة:

– فندق باب البحر

– فندق كاليبو صحارى

– فندق بوينا فيستا

– منتجع داخلة أتيتيود

– داخلة سبيريت

– داخلة إكسبيرينس

– أوبيرج دي نورماند

– أوسيان فاغابو

– زينيث داخلة

– فندق صحارى دريجنسي

– فندق الراحة

– ميزون دوت دار ريو دورو

– فندق باليه دي تواريغ

– فندق بوغوفا

* الأكل

عندما تكون في الداخلة فلا بد أن تنسى الدجاج وتركز على أكل الأسماك لأنها في موطنها الأصلي ويبدع أهالي الداخلة بابتكار خلطات رائعة من الصلصات التي ترافق مختلف أنواع السمك، فحتى السلطات يدخل فيها السمك والمحار والسلطعون.

وفي حال كنت تفضل اللحم الأحمر فما عليك إلا بأكل لحم الجمل، فهو أشبه بلحم الضأن، ولكن مذاقه أقوى بعض الشيء.

هناك عدة مطاعم في الداخلة نذكر منها:

– لاسيندا

– فيلا داخلة جوسلين (ولكني لا أملكه)

– كازا لوي

– ديامان دو صحارى

– لا ميزون دو تي (يقدم أفضل أنواع الشاي والحلويات الغربية والمحلية)

– ساماركاند

لتنسيق الإجازة يمكنك الاستعانة بمكاتب السياحة المحلية التي تساعدك في حجز الفنادق والنشاطات المختلفة. نذكر منها:

– أراب هوليدايز

– ريو دي أورو فوياج

– ساوا فوياج

– إل ساهارينو ترافلز

– أريمال ترافلز

للوصول، يمكنك السفر إلى مدينة كازا بلانكا والتوجه منها مباشرة إليها. فهناك رحلات يومية إلى مطار الداخلة.
وفي النهاية حان موعد الرحيل، ولكنه لم يكن قاسيا، لأني على يقين بأن عشق المغرب دخل إلى قلبي من الداخلة.. على أمل لقاء قريب في مدينة أخرى في المغرب بلد الطيبة والكرم.

المصدر : الشرق الأوسط

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *