برلمان.كوم - النطيحة والمتردية في الأحزاب السياسية
21:23 - 20 أبريل 2019

النطيحة والمتردية في الأحزاب السياسية

برلمان.كوم - أبو أمين

تابع المواطنون باهتمام كبير التناطح الذي حصل بمقر حزب الأصالة والمعاصرة بين قيادي اسمه إبراهيم الجماني وزعيم الحزب واسمه حكيم بنشماس، كما تابع المهتمون بالشأن السياسي المغربي العراك بالأيادي الذي حصل بين قياديين بارزين في الحركة الشعبية، وهما محمد أوزين ولمخنتر، تلهفا على كعكة نيابة رئيس مجلس النواب. وقبل ذاك عراك شباط واللبار، وعبارة “سير تق…” التي أطلقها الوزير أنذاك محمد الوفا في وجه نائب برلماني تحت قبة البرلمان إلخ.

طبعا، مثل هذه السلوكيات والممارسات تجسد بشكل صارخ المستوى المتردي والمتدني الذي تعرفه الحياة السياسية في المغرب، وأهل المشرق يتحدثون كثيرا عن التناطح السياسي، ومنهم من يجعل الجشع والطمع، وهيمنة الوصولية، وضعف القيم، هي التي ترسم صورة الواقع السياسي المتردي في العالم المتخلف.

وفي عقيدتنا الإسلامية كان القرآن الكريم واضحا في تحريم “المتردية والنطيحة وما أكل السبع” سواء كانت مواشي أو غيرها، وبه أعتقد جازما أن “الناطح والمنطوح” يجب تجريم عملهما، ومن تم تحريم ممارستهما للمسؤولية. وما بين تجريم الفعل وتحريم الممارسة، يصبح البرلمانيون مطالبين اليوم برفض رئيس “منطوح” في مجلس المستشارين، قياسا على تحريم النطيحة في الدين الاسلامي.

و”الباميون” بدورهم يجب أن ينقلبوا على قيادتهم ما دامت منطوحة، خاصة وأن الناطح ينتمي بدوره لحزب الأصالة والمعاصرة. كل هذه الأمور أصبحت مستوجبة، ولا يختلف حولها إثنان، كما لا يتناطح في أمرها كبشان أو عنزان وفقا للكلام العربي.

وإذا كانت انطلاقة هذا الحزب تمت بزعامة رحمانية جدية، قبل أن يتم تحويلها بطريقة بهلوانية نحو الريف، فمن المستحسن الاستئناس ببعض أقوال أهل الرحامنة في هذا الإطار، فهم يطلقون صفة “المنطوح” في دارجتهم على كل شخص عنيد، يكون أقرب الى البليد. فتراهم ينعتون فلانا او ابن فلان ب”المنطوح أو المزغوب او المنحوس”، بما يفيد أنه مجبول على الفضيحة، ولا يعمل بالنصيحة. بل يذهبون أبعد من ذلك فيتطيرون من كل “منطوح” لانه “منحوس” وتعيس، ويجعلونه مبعث شؤم، فلا يقبلونه مشيرا ولا يعينونه سيدا، وإن قابلوه صباحا في طريقهم تجنبوه.

والعرب أيضا تطيروا بالمنطوح، ولذا جاء الإسلام فحرم لحم النطيحة، وقد روت كتب التراث أن العرب تشاءمت بالبارح، وبالنطيحة والناطح، وتفاءلت بالسانح. ومعنى البارح هو من يوليك يساره، أما السانح فهو من يوليك يمينه.

أما بخصوص المتردية التي حرم الله أكلها، فهي كل ما سقط من أعلى كما هو حال الخرفان إذا سقطت في بئر، أو من أعلى جبل فماتت. والجميع يعلم أن التناطح بين إثنين قد يحصل عنه التردي، فيسقط أحدهما على الأرض، ومن هنا وصف العرب كل ما يوجد في الحضيض، بالمتردي والدنئ، والمتدني.

أعجبني كثيرا ما كتبه أحد الصحفيين العرب، وهو يصف حالات التناطح السياسي في بلده، فاختار كلاما للزعيم الهندي “المهاتما غاندي”، الذي قال يوما إن سبعة أشياء تدمر الإنسان، وهي: “السياسة بلا مبادئ، والمتعة بلا ضمير، والثروة بلا عمل، والمعرفة بلا قيم، والتجارة بلا أخلاق، والعلم بلا انسانية، والعبادة بلا تضحية”.

وإذ أعجبتني مقولة غاندي الفصيحة، أضحكتني حكاية ما حصل لمسؤول مشرقي بارز، وهو يقرأ خطأ ما كتبوه له، وعوض أن يقول :”إن التناطح السياسي بين التيارات يؤدي إلى الانشقاق وتعطيل المصالح..” قال: “إن التناطح بين التيران يؤدي إلى الانشقاق وتعطيل المصالح…”.

بهذه الصورة يمكن للمدافعين عن التعليم بالعربية لدى حزب العدالة والتنمية، أن يسارعوا إلى إصدار كتاب تحت عنوان “لا ناصح ولا منصوح، بين الناطح والمنطوح”، فهم أكبر المستفيدين من حالة التردي التي يوجد عليها المشهد الحزبي، وهم يتأكدون يوما بعد آخر، أن البدلاء الذين يعول عليهم أفراد الشعب، ممن لن يصوتوا لاحقا على العدالة والتنمية، هم مجرد كراكيز تحركها أصابع الوصولية والتهافت، وفزاعات لا تخيف حتى الغربان.

أما المواطن فقد أضحى هو الناطح في الصخر يائسا من الإصلاح، سيرا على قول الأشعى:

كَناطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً لِيُوهِنَها *** فَلَمْ يَضِرّْها وأوْهى قَرْنَه الوعِلُ


اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *