استمعوا لبرلمان راديو

11:28 - 15 يوليو 2021

الولايات المتحدة تهتك عرض السيادة القضائية ومجتمع الاقليات

برلمان.كوم - بقلم: أبو أمين

خرج المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس، ليخبر الصحفيين أن الولايات المتحدة غير مرتاحة للحكم الصادر ضد سليمان الريسوني، ويرى بأن الحكم يتعارض مع ما جاء في الدستور المغربي ومع الإصلاحات الكبيرة التي أعلنها الملك محمد السادس.

حقيقة أن التعبيرات العاطفية التي تحدثت بها الخارجية الامريكية، كونها غير راضية او غير مرتاحة، تتنافى تماما مع المعايير القانونية المعمول بها داخل الولايات المتحدة نفسها بخصوص حالات الاغتصاب أو هتك العرض التي تعرض على القضاء الأمريكي رغم قلتها.

فالقانون الأمريكي، رغم التفاوت الحاصل بين مختلف الولايات، يظل صارما، إن لم نقل قاسيا، في حق الحالات المشابهة لما نحن بصدده.

فعلى المستوى الفيدرالي ينص التعريف الجديد للاغتصاب في الولايات المتحدة الامريكية، بأنه “اختراق” لأي عضو او شئ بطريقة الإكراه داخل عضو شخص آخر، سواء كان جنسيا أو غير جنسي، بما في ذلك الفم. والقضاء الأمريكي لا يتسامح مع مثل هذه الحالات مهما كانت بسيطة.  

وقد حكى صحفيون مغاربة يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية أن مهاجرين اضطروا لإخلاء الولايات المتحدة، تاركين أمتعتهم واملاكهم، بسبب مزحة تافهة مع شخص آخر، أسيء فهمها، ولم يتسامح إزاءها القضاء الأمريكي، بل ولم يجتهد إطلاقا في تفسيرها…ليطرح السؤال بعلانيته حول كيف كانت هذه الدولة ستتعامل مع حالة الاحتجاز والتعنيف وهتك للعرض التي أجاب عنها المتهم الريسوني أثناء التحقيق معه ولم ينف بعض حيثياتها. 

وبينما يركز نيد برايس على حرية الصحافة باعتبارها أساسية لمجتمعات مزدهرة وآمنة ، وبأنه من واجب الحكومات ضمان أن يتمكن الصحافيون من أداء أدوارهم الأساسية بأمان دون خوف او ظلم او تهديد، فهو إذن يسير في نفس الاتجاه الذي يعتمده المغرب لا من حيث ضمان حرية الصحافة، ولا من حيث حرصه على أن يظل المجتمع آمنا من أية ممارسات شادة ومسيئة لاستقراره وازدهاره، ولا من حيث مواجهة الظلم والعنف والتهديد، ايا كان نوعه ومصدره.

فكوننا نمتهن هذه المهنة الشريفة التي اسمها “الصحافة”، فهذا لا يعني أبدا أننا محررون بشكل كامل من الأحكام القانونية، ولا يعني أننا متميزون “بشكل حصري” عن الآخرين، او بأننا منزهون عن المثول أمام القضاء، او بأننا أسمى من أحكام وأعراف المجتمع، او بأننا أحرار في التلاعب بشهواتنا الذاتية والجنسية، ضدا على القوانين مهما أهانت كرامة وأعراض الآخرين.

مهنة الصحافة، السيد برايس، لا تسمح لصاحبها بالزيغان، والفوضى، وإهانة الآخرين واحتجازهم وهتك عرضهم، واستعراض “الفتوة” أمام المجتمع والقانون والقضاء. ولعل الولايات المتحدة هي الأكثر تطرفا في التعامل مع هذه القضايا، بل وفي طرد الصحافيين وازدرائهم، لمجرد أنهم سعوا الى التحرر قليلا من القيود القاسية التي تفرضها على ممارسة المهنة.

لكن أخطر ما لا يمكن قبوله من تصريحات المتحدث باسم الخارجية الامريكية، هو هتك عرض دولة أخرى وقوانينها، عبر سماح الخارجية الأمريكية لنفسها بالتدخل في شؤون دولة كاملة السيادة.

ولعل الولايات المتحدة الأمريكية التي تمرغت صورتها في فضيحة مقتل الشهيد الزنجي جورج فلويد، رغم قوة الأحكام الصادرة ضد ضابط الشرطة الذي قتله، كان حريا بها أن تنهمك في إصلاح أمورها الاجتماعية، والانشغال بتجميل صورتها الملطخة، بعد هذه القضية التي ضربت القيم الإنسانية بعرض الحائط.

ثم إن الولايات المتحدة التي تجاهلت اليوم، من خلال تصريحات موظف خارجيتها، حقوق مجتمع “الميم” أو ذوي الميولات المختلفة، هي نفسها التي أهلت هذه الفئات و أصبحت تتخوف من لوبياتها وتتحاشى مواجهتها في العديد من المناسبات. وبالرغم من أننا، في المغرب، نتحاشى الدخول في مثل هذه النقاشات، لأننا غير مشغولين بهذه الفوارق، فإنه لا يمكن السماح أبدا بهضم حقوق اي مواطن مغربي مهما كانت انتماءاته، أو أن يتحول في لحظة إهمال الى ضحية امام من لا ضمير له.

حقيقة أن الديبلوماسية المغربية بمختلف أجهزتها كانت مقصرة في توضيح مختلف حيثيات مثل هذه القضايا لحلفائنا الاستراتيجيين، كي لا يتم خلطها بقضايا حقوق الإنسان أو حقوق حرية الصحافة والتعبير، وبالتالي فالقصور واضح في عمل الديبلوماسية المغربية، الرسمية والموازية، التي تستفيد من ميزانية ضخمة كي تحمي الدولة والمواطن من مثل هذه النقائص ومن كيد الخصوم والاعداء وسوء تقدير الأشقاء والأصدقاء والحلفاء.

فنيد برايس الذي تحدث في قضية تندرج تماما ضمن سيادة القضاء المغربي لم يطلع، او بالأحرى لم يتم إطلاعه،عن كافة حيثيات القضية، ومختلف مساطر معالجتها من طرف القضاء المغربي، وهنا يكمن الخطأ، لانه خرج يتكلم في قضية مجهولة لديه، وبالتالي فالتصريحات الصادرة عنه يمكن الحكم عليها بأنها غير متأنية، بل إنها غير متوازنة، ومسيئة للولايات المتحدة اولا، وللعدالة الإنسانية ثانيا، لكونها تهضم بوضوح حقوق ضحية المتهم.

ولعل الولايات المتحدة أدرى وأعلم بضرورة عدم إصدار الأحكام الجاهزة، خاصة في التصريحات الديبلوماسية، التي لا يمكنها بأي حال أن تستند على معطيات مفبركة بشكل جاهز، او تم استجماعها من الكتابات المتناثرة هنا وهناك، والتصريحات العشوائية الذي أفقدتها موضوعيتها.

ولسنا بصدد تلقين الدروس لحلفائنا، لكن أبجديات العمل الديبلوماسي تقتضي تفادي التدخل في السيادة القضائية للدول. ونتمنى ان لا نكون مضطرين للحفر في الوثائق الامريكية بهذا الخصوص، او بالتذكير برسالة الرئيس الامريكي الشهيرة جيمس مونرو إلى الكونغرس الأمريكي بتاريخ 2 ديسمبر سنة 1823، التي اعتمدت تاريخيا في السياسة الأمريكية وشروط التدخل الخارجي. وميثاق الأمم المتحدة الذي لا يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السيادة الداخلية لدولة ما.

وفي الأخير، نتمنى ألا يكون الموقف الأمريكي ردا على الاتفاق حول تصنيع اللقاح ضد فيروس كورونا، المبرم بين المغرب والصين التي تعتبرها واشنطن عدوا، لأن هذا لن يشرف دولة بحجم أمريكا. كما نتمنى أن يكون رد فعل ديبلوماسيتنا في المستوى الذي ينتظره قضاؤنا، والمغاربة قاطبة كي يرد لهم الاعتبار.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *