17:46 - 16 مايو 2019

بصمة الحموشي في الأمن… بصمة وراثية غيرت جينات جهاز الشرطة

برلمان.كوم

بالأمس غير البعيد، كان جهاز الأمن ومعه موظفو الشرطة لا يأتي ذكرهم إلا مقرونين ب”لازمات” جاهزة تتحدث عن الشطط في استعمال السلطة، وضعف التعويضات المالية، وتدني الخدمات الاجتماعية، وعدم الجاهزية في مواجهة مختلف الجرائم المشهودة التي يشهدها الشارع العام.

ولم يجد وقتها وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري من دعم يقدمه لرجال الأمن، وهم الذين تحملوا أعباء حفظ النظام إبان حرب الخليج الأولى، وفي خضم التوترات الاجتماعية في تسعينيات القرن الماضي، سوى “فهلوة” كلامية قال فيها أن رجال الأمن يعيشون مع المواطن، وكأن لسان حاله كان يطبع( بتشديد الطاء) مع ما بات يعرف لاحقا بجرائم الفساد المالي.

وقد استقر حال الشرطة رغم تعاقب الساسة والسياسيين، ورغم توالي المدراء العامين. فالمقر العام للشرطة بالرباط ظل هو ذاته رغم أنه مبنى يعود لسنوات الخمسينات عندما كان حصيص الشرطة لا يتجاوز الألف أو يكاد، والزي الوظيفي للأمن لم يتغير رغم كل التطورات التي عرفتها تصاميم الحياكة في العالم، وعربات الشرطة ظلت بهويتها البصرية القديمة حتى تعرضت للتآكل والتقادم… والشرطي ظل في كل هذه الروتينية المتوالية مجرد موظف منذور للعمل المكتبي دون النفاذ إلى جوهر وفلسفة الوظيفة الأمنية، التي تجعل من الشرطي مكلفا بإنفاذ القانون، ومحركا للتنمية، وضامنا للأجواء الآمنة للتمتع بالحقوق والحريات… وأكثر من ذلك إنسانا بجبة رجل السلطة القريب من المواطنين.

من أين يبدأ الإصلاح؟

وصفت الزميلة تيل كيل جهاز الشرطة في سنة 2013 بأنه بمثابة “الرجل الكبير المريض”، في إماءة بألف معنى إلى أننا أمام جهاز كان يعاني من مشاكل متجذرة، وقد زاد من إذكاء هذا التصور الحملات الدعائية التي انبجست من منصات الإعلام البديل، والتي سميت وقتها بحملات “التشرميل” و”زيرو كريساج” وغيرها، وهي حملات كانت تطالب بالأمن أكثر ما كانت تستهدفه، وكانت تنطلق من حالة الخوف من الإجرام أكثر من حقيقة التهديد المرتبط بالجريمة في حد ذاته.

وقد جاء تعيين عبد اللطيف حموشي في هذا السياق، الذي تتجاذبه حالة الجهاز من جهة، وتنامي التهديدات الإجرامية والإرهابية من جهة ثانية. وقد راهن المتفائلون على تجربة الشخص في تدبير المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ونجاحه في إجهاض المخططات الإرهابية، وعلى الثقة الملكية السامية، أملا في الإقلاع بجهاز الشرطة، بينما انبرى الفريق الآخر يتحدث عن فترة تدبيرية لن تخرج عن مألوف التجارب السابقة، منطلقين في ذلك من صورة نمطية التصقت بجهاز الأمن بالمغرب باعتباره جهازاً عصي عن الإصلاح والعصرنة.

ويشرح مصدر أمني ل”برلمان.كوم” أن الفترة اللاحقة لتعيين الحموشي كانت تدب بالحركة: عمليات افتحاص وتدقيق، ولجان تفتيش على المستوى المركزي والجهوي، ومجالس تأديبية وعقوبات طالت لأول مرة في تاريخ المؤسسة ولاة أمن ومراقبين عامين، منهم العديد ممن كان يشغلون مهمة مدير مركزي.

وكانت كل هذه التدابير التقويمية تواكبها بلاغات صحفية ومقاربة تواصلية! يؤكد بشأنها مصدر أمني بأنها كانت تروم اطلاع الرأي العام على ما يتحقق في مجال التخليق الوظيفي لجهاز الأمن باعتباره( أي الرأي العام) هو المستفيد الأول من الخدمات التي يقدمها المرفق العام الشرطي. كما كانت هذه المقاربة التواصلية تبتغي تحقيق الردع العام والخاص في صفوف موظفي الشرطة مؤذنة بفترة فارقة بين شرطة الأمس وجهاز الأمن المنشود.

وقد تم تعليب كل هذه التدابير الإصلاحية ضمن خانة الحكامة الجيدة، التي قالت عنها البلاغات السنوية التي نشرتها إدارة الأمن في السنوات الثلاثة الأخيرة بأنها حققت ترشيدا مهما في النفقات، مكن من تصفية جميع المتأخرات المالية التي كانت عالقة بذمة جهاز الأمن والتي ناهزت أكثر من 13 مليار سنتيم! إذ لا يعقل تحقيق الأمن والجهاز لا يسدد فواتير الممونين ومقدمي الخدمات المتراكمة؟ “لقد تم أداء كل المتأخرات” يشدد المصدر الأمني، بل وتم تجديد أكثر من 90 بالمائة من حظيرة أسطول الأمن. فلم نعد نعاين سيارات “البارطنير” و” الطرافيك” المقفلة بالزكروم ولا الدراجات المترهلة، والتي حلت محلها عربات متطورة بهويات بصرية في مستوى تطلعات المواطن المغربي.

تغيير صورة الجهاز…

لقد راهن الحموشي على إحداث رجة كبيرة في التمثل الذهني للمواطن لجهاز الشرطة ولموظف الأمن. وقد تحقق له هذا المبتغى! كيف ذلك؟ لقد انطلقت عرضانية الإصلاح من تغيير أزياء جميع الوحدات والفرق الشرطية، وأصبح الشرطي يكرس صورة مهيبة لرجل السلطة والقانون، كما تم التفكير لأول مرة في تاريخ المؤسسة في بناء مقر جديد بمقدوره جمع كافة مصالح الشرطة المغربية، فضلا عن بناء ولايات ومقرات أمنية بمواصفات متطورة عوضا عن تأجير شقق متآكلة لاحتضان المناطق والمصالح الأمنية.

والحاقا بهذا الموضوع، يوضح المصدر الأمني بأن دوائر الشرطة ظلت لأكثر من ستين سنة تعمل بدون سيارات مصلحة، وكان العاملون بها ينتظرون سيارات الهيئة الحضرية للقيام ببعض المهام الأمنية أو يركنون إلى سياراتهم الخاصة. لكن مع مجيء عبد اللطيف حموشي تم منح جميع الدوائر التي يناهز عددها 500 على الصعيد الوطني سيارات عصرية ومتطورة، أكثر من ذلك باتت جميع الوحدات الأمنية تتوفر على أسطول خاص بها، بألوان مميزة وإشارات تعريفية دالة على طبيعة مهامها.

“ولم تتغير فقط الصورة العامة للجهاز، بل راهن المدير العام الجديد على تغيير فلسفة العمل”، يستطرد المصدر الأمني، مؤكدا أن ميثاق الاخلاقيات الشرطية تضمن ديباجة و28 مادة، أكثر من نصفها خصص لتوطيد مبادئ حقوق الإنسان، ولتدعيم آليات احترام الحريات الفردية والجماعية. بل حتى طريقة تدبير الحشود بالشارع العام في إطار ما يسمى بعمليات حفظ النظام، والتي كان يستغلها العديدون للمساس بالمكتسبات الحقوقية ببلادنا، فقد خصصت لها إدارة الحموشي معدات جديدة تراهن على تفريق التجمهرات دونما احتكاك مباشر مع المشاركين في الاحتجاج. فقد تمت المراهنة على شاحنات ضخ المياه عوضا من المعدات التقليدية، وذلك لتحقيق نوع من التوفيق والموازنة بين واجب الأمن في المحافظة على النظام العام من جهة، وكفالة الحقوق والحريات من جهة ثانية.

وقد واكب هذا التحول في الصورة، اهتماما برجل الأمن وبوضعه الاجتماعي، فقد بادرت القيادة الأمنية الجديدة بتخصيص منحة شهرية قارة للموظفين المصنفين في الرتب الدنيا والمتوسطة، واستفاد منها اكثر من 90 بالمائة من الموظفين، كما تم تصفية السنوات العالقة في الترقية التي استفاد منها في الأربع سنوات الأخيرة أكثر من 35 ألف موظف، أي اكثر من نصف رجال الأمن، ناهيك عن إطلاق باقة من الخدمات الصحية والاجتماعية المندمجة، التي كانت في حكم المستحيل منذ سنوات قائلة خلت. 

نجاعة داخلية وإشعاع دولي.

لم يسبق لأي جهاز أمني في منطقة شمال أفريقيا أو منطقة “مينا” أن حقق ضبطيات قياسية مثلما حققت الشرطة المغربية في الثلاث سنوات الأخيرة. فالمعطيات الرسمية التي كشفت عنها المديرية العامة للأمن الوطني تشير إلى حجز اكثر من ثلاثة ملايين قرص مهلوس، نصفها من الاكستازي المهرب من هولندا، وهو ما يؤشر على نجاعة كبيرة في الحرب على المؤثرات العقلية التي تباشرها الشرطة المغربية بتنسيق مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. ففي سنة 2012 مثلا، لم تتجاوز محجوزات الاكستازي ألف قرص فقط، بينما ناهزت في سنة 2018 ما يقارب مليون قرص، وهو ما يعني تجنيب المغرب اكثر من مليون جريمة عنيفة، إذا أخذنا بعين الاعتبار ان تناول قرص واحد يؤدي حتما بالمتعاطي إلى ارتكاب فعل إجرامي نتيجة تعطيله للتمييز والإدراك لدى المستهلك.

وفي سياق ذي صلة، حقق الأمن المغربي، الذي كان منذ خمس سنوات فقط يوصف بالرجل المريض، انتصارا لامعا في الحرب ضد الكوكايين، واستطاع اجهاض رغبة المافيا الدولية في تغيير جغرافية المخدرات على الصعيد الدولي. فقد حجزت الأجهزة الأمنية في ثلاث سنوات فقط اكثر من ستة أطنان من الكوكايين، وهو ما كبد كارتيلات الكوكايين خسائر بملايير الدراهم، وجعلها تعدل عن المراهنة على غرب أفريقيا والمغرب كبلدان للنفاذ إلى الأسواق الأوروبية.

ويستطرد المصدر الأمني تصريحه بأن الشرطة المغربية كانت تقف عاجزة سابقا أمام جرائم معقدة بسبب محدودية الإمكانات وضعف الموارد، بيد أنها اليوم لم تعد تعرف ما يسمى بالجرائم العالقة أو المسجلة ضد مجهول. فجريمة مقهى “لاكريم” رغم تعقيداتها، تم استجلاء حقيقتها في اقل من ساعات، وجريمة قتل البرلماني عبد اللطيف مرداس لم تزغ عن هذا المنحنى رغم تشابكها…إلخ. وعطفا على هذا القول، بلغت نسبة الزجر في السنة الماضية ما يناهز 92 بالمائة، وهو مؤشر قياسي لم تكن لتبلغه الشرطة المغربية لولا شمولية الإصلاح العميق الذي شهده المرفق العام الشرطي مؤخرا.

أما على المستوى الدولي، فقد أصبحت الشرطة المغربية في السنوات الأخيرة فاعلا مهما في تنشيط آليات التعاون الأمني الدولي سواء في مجال مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، أو في مجال ملاحقة الأشخاص المبحوث عنهم دوليا، أو حتى في مجال إعمال تقنيات البحث الخاصة مثل التسليم المراقب للمخدرات والتحقيقات المشتركة مع العديد من الأجهزة الأمنية الدولية، خاصة الأوروبية.

وفي هذا الصدد، استطاعت الشرطة المغربية أن تقدم صيدا ثمينا للعديد من أجهزة الأمن عبر العالم، من خلال توقيف أشخاص كانوا يتزعمون شبكات إجرامية دولية وكارتيلات لتجارة المخدرات، من قبيل توقيف المواطن الإيطالي ANTONIO PRINNO ، الذي كان يقدم باعتباره أحد قادة الشبكة الإجرامية المعروفة باسم “Mazzarella” والتابعة للتنظيم الإجرامي “Comorra”، وهو التوقيف الذي وصفه وزير الداخلية الإيطالي بأنه “هدية” من جانب الشرطة المغربية.

أيضا، يمكن الاستدلال على فعالية الشرطة المغربية بتوقيف المواطن الإسباني الملقب ب EL RUSO والذي تم تقديمه على أنه أشهر المطلوبين قضائيا للسلطات الأمنية الإسبانية. هذا الأخير كان محكوما ب 58 سنة سجنا نافذا في إسبانيا في قضايا تتعلق بالقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد والاختطاف والاحتجاز والهروب من مؤسسة سجنية، وكان قد استعمل العنف عند فراره من قبضة الحرس الوطني الإسباني في فاتح نونبر 2018.

هي إذن شذرات مما تحقق في درب الإصلاح الشامل والعميق لجهاز الشرطة، يردف المصدر الأمني تصريحه لموقع برلمان، مشددا في المقابل على أن الهدف المنشود حاليا هو الارتقاء بجهاز الأمن إلى مؤسسة مواطنة بأبعاد خدماتية، هاجسها الأول هو تقديم خدمة أمنية تتطبع بطابع الجودة.


اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *