23:21 - 11 يونيو 2019

بنكيران الذي ظل باحثا عن رضا الوالدة وإدريس البصري..

برلمان.كوم - أبو أمين

لا يمكن للتاريخ المغربي المعاصر أن يغض الطرف عن رسالة سبق لعبد الإله بنكيران أن أرسلها إلى وزير الداخلية القوي في زمانه إدريس البصري، يستجديه فيها ويدعو له بالتوفيق، ويلتمس منه صنيعا بسيطا، وهو أن يستقبله مع جماعته.

فعلا، لا يمكن للتاريخ الحديث أن يهمل هذه الرسالة، لاعتبارات عديدة تفوق كون إدريس البصري انتهى به الزمان مهاجرا الى فرنسا، وعبد الإله بنكيران حولته الأقدار الى رئيس للحكومة في المغرب. بل لكون هذا الأخير حين تقوى واستقوى، إلى أن نسي ما خطته يداه يوما من ضعف وهوان:

نَسِيَ الطينُ ساعَةً أَنَّهُ طينٌ فَصالَ تيها وَعَربَدا
وَكَسى الخَزُّ جِسمَهُ فَتَباهى وَحَوى المالَ كيسُهُ فَتَمَرَّدا

نعم، فحين تقوى بنكيران، ونسي خلقه، قال للصحافة ان رضا الملك لا يهمه، بقدر ما يهمه رضا الوالدة… وسواء كان صائبا أو ليس على صواب، فمثل هذا الكلام لا قيمة له، ولا منفعة منه للقارئ. وهو يدخل فقط في باب التباهي فارغ المحتوى أو الاستفزاز المجاني الذي طالما نصحنا بنكيران بتفاديه، ولكن “تعيا أم الحمق ما تعض في شاربها كيقوليها قطعيه”.

وبما أن بنكيران يعي جيدا ما يقول، فقد سارع بعد تعيينه رئيسا للحكومة إلى إدخال بعض التعديلات على الآداب السلطانية، أي بروتوكولات الإبراق والكتابة الى الملك، ومنها رفضه تذييل الرسائل المرفوعة منه الى الملك بالعبارات المألوفة ك “خادم الأعتاب الشريفة”، وتفنن في توقيعات أخرى اختارها لنفسه ك “المتعلق بالأهداب الشريفة”، أو ما يشبهها من التعابير. ولذا، فإنه يصعب على الباحث العثور في الأنترنيت على برقيات مرفوعة من رئيس الحكومة الى ملك البلاد، بينما العكس غير صحيح إذ يمكن له أن يعثر على رسائل موجهة من الملك الى رئيس حكومته.
وبالعودة إلى رسالة عبد الإله بنكيران التي وجهها في ذاك الزمن إلى إدريس البصري، فسيتبين للقارئ بسهولة أن عدد تعابير الخضوع والخنوع، والاستجداء والاستعطاف، أكثر من أعداد الحمص في حريرة رمضان.

ففي رسالته يقول بلغة الضعف والخنوع : أرفع إلى جنابكم هذه الرسالة التوضيحية حول جمعية الجماعة الإسلامية… وما نرجو اللّه أن ينعم به علينا من خير على يدكم واللّه المستعان.

ويضيف الرجل الذي لا يلوى له لسان في أي مكان: “معالي الوزير، إن كثيرا من الشباب تهفو قلوبهم إلى الانتساب إلى جمعيتنا، والعمل في إطارها المعتدل السليم إن شاء اللّه، ولكن ما وقع علينا من حظر من طرف السلطات المحلية في صيف 1984، وتوقيف أنشطتنا العامة في مركز الجمعية، يحول دون التحاقهم بنا… وإننا نأمل أن تتداركنا عناية اللّه على يدكم فيسمح لنا من جديد بممارسة نشاطنا والاستمرار في القيام بواجبنا في الدعوة”.

ويشهد بنكيران في رسالته أنه كان نكرة، عكس ما يدعي اليوم في حواراته، فيطلب من البصري استقباله مع مجموعته للتعرف عليهم، ويثني على الوزير بخير الثناء، ويدعو له بحسن الدعاء ويقول: ” إننا معالي الوزير، سنكون مسرورين وشاكرين لكم صنيعكم إذا خصصتم جزءا من وقتكم لاستقبالنا والتعرف علينا، وذلك سيساعدنا بإذن اللّه على مزيد من التفهم والوضوح، واللّه نسأل أن يوفقكم لما فيه الخير ويهدينا وإياكم إلى ما يحبه”.

توقيع: “الخادم المطيع و الداعي لكم بالصلاح و التوفيق في كل حين
عبد الإله بنكيران”.

طبعا لا يمكن لأنانية وخيلاء بنكيران أن ينكران صحة الرسالة، كما لا يمكنه التستر عن تعدد مواقفه في التملق والتزلف لدى كبار المسؤولين، إلى أن نصل الى كثرة تشكيه وبكائه، ومن تمة استفادته من التقاعد الاستثنائي المريح بفضل كثرة استجدائه واستعطافه.

ومع ذلك، وكأن الشخص مصاب بانفصام في الشخصية، فكلما حركه اختياله وأناه، أخرج لسانه ليتطاول على شخص الملك. وهو يعلم مليا أنه لا يجب إقحام المؤسسة الملكية في عبثيات الكلام، وهذا ما يسميه القرآن الكريم “منكرا من القول وزورا”.

ومن طلائع البهتان في حوارات بنكيران مقارنته لأداء الحكومة بأداء عاهل البلاد، وهو يعلم جيدا أن الحكومة تسمى في كل المراجع الدستورية مؤسسة تنفيذية، “والفاهم يفهم… يعني ما بقا غير يقول للملك أجي نتسابقو”، كما جاء في إحدى استجواباته حين ادعى: “لا يمكن التفريق بيننا وبين جلالة الملك، حتى يظن المغاربة أن الملك “يشتغل وحنا كانخربقو”، أو أن “ما يقوم به الملك “مزيان” وما تقوم به الحكومة “خايب”… إوا “دويو علينا وجيو علينا”.

ويعترف بنكيران في حديث آخر بجبهته العريضة بأنه كان وراء إسقاط القداسة عن الملك من الوثيقة الدستورية، وأن طلبه “كان قاسيا رغم أن الملك استجاب له”.

واليوم، هاهو بنكيران يتأسى بلظى التهميش وتنكر رفاقه في العدالة والتنمية، وكلما اجتذب لسانه للنفير لسعته عقارب إخوانه الذين لم يعد يغرهم كلامه، فتراه يبكي داخل جدران بيته في حي الليمون، وحين يخرج الى صلاته فهو يمني النفس بالتقاط بعض الصور مع المتلهفين إلى المشاهير. ولعله حين يعود مساء الى بيته يطيل الحكي والثرثرة في وصف الشباب الذين التقط معهم السلفيات… “فاللهم لا شماتة”.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *