19:13 - 8 فبراير 2019

تأملات في الندوة الصحفية لجماعة العدل والإحسان

برلمان.كوم

المتمعن في الندوة الصحفية التي نظمتها جماعة العدل والإحسان، ممثلة في الثنائي فتح الله أرسلان وعبد الواحد المتوكل، على هامش قرار السلطات العمومية إقفال ثلاثة منازل مملوكة للجماعة، يخرج بقناعة قوية مؤداها أن “الارتجال والإسراف في تسييس الملف” كانا هما السمة والعنوان الأبرز لهذه الخرجة الإعلامية.

فرغم أن الجماعة انتظرت ثلاثة أيام كاملة قبل تنظيم هذه الندوة الصحفية، وهو ما فهم منه البعض بأنه ربما “تربص تكتيكي” قد يفاجأ الدولة ومؤسساتها في الترافع والذود عن قضايا الجماعة، إلا أن واقع الحال كان على النقيض من ذلك، فقد ظهر الثنائي أرسلان والمتوكل في صورة مهزوزة، يتلوان بيان خطابة طويل موغل في شيطنة الدولة، قبل أن تكشف أسئلة الصحفيين المباشرة عن مستوى الضبابية والترهل الذي تعيشه الجماعة، وتكشف معها أيضا عن مستوى ناطقها الرسمي، الذي كان يهمس في أذن عبد الواحد المتوكل وهو يرد على استفسارات الصحفيين، في واقعة شبيهة بحالة المرشد العام السابق للإخوان المسلمين في مصر محمد بديع، عندما كان يهمس في أذن محمد مرسي ويملي عليه ما يقول.

لقد تفاجأ الصحفيون، وخلا بعضهم إلى بعض يتهامسون ويسخرون، خصوصا عندما اعترف فتح الله أرسلان وعبد الواحد المتوكل بأن “الحسينيات والمزارات” المقفلة لم تكن مخصصة للاستخدام السكني، مبررا ذلك بأن الدولة هي التي دفعتهم لعقد اجتماعاتهم في مثل هذه الأماكن، لكونها ( أي الدولة) تحرمهم من بناء مقرات أو استئجار محلات للتجمع، متسائلا ” فين بغاتنا الدولة نجتمعوا؟

مراسل إحدى الوكالات الأجنبية طرح سؤالا وجيها، متسائلا عن عدد محلات الجماعة المقفلة على الصعيد الوطني، وكان ينتظر أن تكون هذه المحلات بالمئات أو الآلاف، بسبب كثرة ما سمعه من تظلمات في بيان الجماعة الطويل. لكن فتح الله أرسلان لم يستطع الكذب وقال بأنها سبعة فقط، أربعة بالمنطقة الشرقية وثلاثة هي التي أقفلت مؤخرا، معترفا بأنها لم تكن مأهولة وإنما خصصت لأغراض أخرى!

وقد طغى على أجوبة فتح الله أرسلان التناقض، حتى أنه كان يقول الكلام ونقيضه في الوقت نفسه. فعندما سئل عن إمكانية اللجوء إلى القضاء في قضية المحلات المقفلة، جزم بأن القضاء المغربي غير مستقل، تم تذكر فجأة بأن هذا القضاء هو الذي سبق أن حكم لفائدة أحد أدعيائهم في مدينة طنجة، فحاول العدول عن جزمه ليسقط في التناقض، ثم تناقض التناقض، عندما قال بأن القضاء غير مستقل ولكن القضاة “فيهم وفيهم”.

تناقضات فتح الله أرسلان تجاوزت حدود المعقول، خصوصا عندما انبرى متحدثا عن ” المخزن” الذي قال بأنه لا يعترف بأصدقاء دائمين ولا أعداء مستدامين، وكان لسان حاله يشير إلى حزب العدالة والتنمية، وهي الإشارات التي استشف منها الصحفيون الذين حضروا الندوة بأنها “نوع من التقرب والتزلف بأعتاب الدولة والتمسح بأهدابها”، لاسيما وأن نبرة “الترغيب” التي كان يتحدث بها فتح الله أرسلان في نهاية الندوة عززت وعضدت هذه الفرضية بشكل كبير.

الناطق الرسمي للجماعة ورئيس دائرتها السياسية لم يقنعان أحد، ربما لأنهما لم يكونا مقتنعان بما يقولانه، فعندما حاولا الدفاع عن أحقية المنازل المقفلة في إيواء المريدين، قال فتح الله أرسلان ” إنها منازل يمكنها أن تحتضن أي زائر أو أي شخص، وأنها ليست مساجد لأنها لا تتوفر فيها الشروط المحددة قانونا في بيوت الله من صومعة ومحراب وقبلة (بكسر القاف) وغيرها”.

هذا الكلام، كان موضوع سخرية في مواقع التواصل الاجتماعي حيث أطلق رواد العالم الأزرق “هاشتاغ ساخر يقول ” الشعب يريد ولوج جميع مساكن العدل والإحسان بما فيها تلك التي تأوي عائلاتهم”، بينما اعتبر البعض الآخر مسوغات فتح الله أرسلان حول المساجد حجة عليه وليست لصالحه ” بما أنها ليست مساجد لله كما تزعمون، فلماذا تحتوي على محراب ومرافق صحية متراصة ومتعددة للوضوء؟” يتساءل مستنكرا أحد المعلقين على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك.

انتهت ندوة جماعة العدل والإحسان كما بدأت، دون أن تحقق التضامن المنشود، بل إنها زادت من حدة الشرخ الكبير بين المجتمع وأفكار هذه الجماعة، مثلما عمّقت سابقا ندوة عبد الإله بنكيران من عزلة هذا الأخير، إيذانا بأفول “طهرانية” أصحاب الإسلام السياسي.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *