19:36 - 12 نوفمبر 2019

تكهنات سليمان الريسوني ..

برلمان.كوم

ما معنى أن يسجل ضجيج صاخب اسمه “عاش الشعب” عشرة ملايين مشاهدة؟ هل هو مؤشر على سيل اجتماعي جارف كما يتكهن بذلك سليمان الريسوني؟ وهل يمكن اعتباره منعطفا مفصليا في الحس السياسي للشباب المغربي؟ لا أعتقد بأن إحصائيات اليوتيوب هي استمارة حقيقية لاستقراء التوجه السياسي العام، ولا يمكن الاعتداد بها كمؤشر لتقييم دينامية الشارع واتجاهاته المستجدة، بدليل أن المسلسلات التركية التي يزدريها الكل في فضاء الفايسبوك تسجل أعلى نسب للمشاهدة في قنوات القطب العمومي، متجاوزة إحصائيات كلام “الراب” النشاز، ومتخطية سقف التكهنات التي تراهن على القومة في صيغتها العدلاوية والثورة في أحلامها اليسارية.

وتأكيدا لهذا الطرح، يكفي أن يطالع المرء تعليقات وتدوينات كل من نقروا زر الولوج لضجيج “عاش الشعب”، وأمعنوا الإصغاء لكلام موغل في البغض والفحشاء، لتعرف أن الحس والذوق العامين لازالا بخير، لأن العبرة ليس بعدد الزوار وإنما بمؤشرات التفاعل الإيجابي مع المحتويات المنشورة، إذ انتفض معظم المتصفحين على سوقية الكلام ودونية الرسالة وسفاهة التعبير، إلا النزر القليل ممن وجدوا في ولد “لكرية” و”لزعر” و”سيمو الكناوي” ورقة جديدة للمزايدة على الدولة، ظنا منهم أن هذه الأخيرة يمكنها أن تتهاوى بضجيج كلامي ليس فيه من المبنى والمعنى سوى السباب القبيح.

فالذين يعددون “لايكات” ضجيج “عاش الشعب” اليوم، وينقرون زر الولوج لموقع الأغنية بشكل ممنهج للرفع من نسب المشاهدة، إنما يمنون النفس بما تختلجه أجنداتهم السياسية والعقدية والإيديولوجية من أوهام هدير الثورة، وسيل الحشود البشرية، فتجد أن حسن بناجح هو أول من تفاعل مع هاشتاج الضجيج ونشر وسمه في كل تدويناته، وسليمان الريسوني جعل منه أهازيج وهمية تقض مضجع السلطة، فكانا “كمن يحسب لوحده فيشيط له في الأخير”، كما يقول المثل المغربي الدارج.

وفنجان التنجيم عند سليمان الريسوني لم يقتصر على التكهن بتداعيات ضجيج “عاش الشعب” داخل الساحة السياسية الوطنية، وفق انطباعاته واستيهاماته الذاتية، وإنما تنبأ بما سماه ارتباك السلطة في متابعة ثلاثي الضجيج الصاخب، زاعما أن متابعة الكناوي من أجل شريط متزامن مع هذا الضجيج إنما كانت مناورة سلطوية، مسدلا نفس الوصف على متابعات حميد المهدوي وتوفيق بوعشرين وغيرهما، وكأن السلطوية هي من فكت أزرار سروال بوعشرين وعرت عورته التي قال فيها محمد زيان ما قال، وأنها هي من كانت تنتابها الرعشة المازوشية عند إذلال الخادمات المأجورات لأغراض غير الصحافة.

والسلطة التي يجعلها سليمان الريسوني مشجبًا لكل الخطايا والأوزار، ويحملها مسؤولية مصادرة الحق في التعبير، والتشهير بمن وصفهم بالصحفيين المستقلين، هل هي التي راسلت الصحفية مرية موكريم من حسابه الشخصي لتفرض عليها الحجر والوصاية وتمنعها من استضافة نبيلة منيب؟ هل السلطة هي من حاولت إلجام موقع فبراير وإخراس أمينة عامة لحزب سياسي؟ لا لشيء سوى أن هذه الأخيرة اصطفت إلى جانب ضحايا توفيق بوعشرين وصرحت بالحقيقة التي يكرهها الريسوني.

وهل السلطة هي من اشتقت من اسم برلمانية اشتراكية ‏تسمى حنان رحاب حروفا مبعثرة لتكتب بها كلامًا نابيًا يوحي بالعهر، وهل السلطة هي من بادرت بحذف ذلك الكلام التشهيري البذيء مخافة الملاحقة القضائية؟ طبعًا لم تكن السلطة هي الفاعلة وإنما سليمان الريسوني كان هو الفاعل، وإن تحلى بالشجاعة الأدبية و”البسالة” فليجاهر بذلك عاليًا ويقول الحقيقة.فهل من شيم المناضلين والصحفيين المستقلين، كما يطلق على نفسه، أن يصادروا حق النساء في التعبير لأنهن قلن كفى في وجه توفيق بوعشرين؟ وهل يجوز لهؤلاء أن يفرضوا الوصاية على منابر الإعلام؟ وهل يحق لهم ممارسة الإقصاء المبني على النوع؟ أم أن سليمان الريسوني يعتبر نفسه سلطة مطلقة؟ وقديمًا قال ابن خلدون “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *