استمعوا لبرلمان راديو

18:14 - 14 سبتمبر 2021

جنازة حزب.. الأسباب العشرة التي حولت حزب المصباح إلى رقم لا قيمة له في المشهد السياسي المغربي

برلمان.كوم ـ أحمد الميداوي / باريس

الصاعقة، الكارثة، الزلزال، الفاجعة.. لم يجد قياديو حزب العدالة والتنمية كلمات أقوى للتعبير عن خيبة أملهم من الهزيمة المدوية التي مني بها الحزب بعد فقدانه قرابة 90 في المئة من الأصوات وتراجعه من 125 مقعدا إلى 13 مقعد في الاستحقاقات الأخيرة. مما يعني وفاة سريرية للحزب الذي تدحرج من القوة السياسية الأولى التي جعلته يتولى تدبير شؤون البلاد لعقد من الزمن، إلى أسفل مراتب التمثيل السياسي في المجالس النيابية وأيضا الجماعية والجهوية وحتى البلدية. 

أحمد الميداوي

الانهيار الكارثي للحزب الإسلامي جاء نتائج عوامل يتداخل فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعقائدي، وتركيز الحزب وإصراره عل تسويق الوهم الديني الذي سرق من خلاله السلطة طيلة العشر سنوات الأخيرة. ويمكن حصر أسباب تدحرج الحزب في عشرة عوامل يتفاوت حجمها بقدر تفاوت الرؤية الإيديولوجية الدينية التي أضفت على البيجيدي حلة التنظيم القريب من التنظيمات الإخوانية المهزومة في كل أرجاء الوطن العربي.

العامل الأول : الإفراط في الثقة في النفس التي جعلت معظم قادة الحزب وفي مقدمتهم، الأمين العام السابق، عبد الإله بنكيران، يتعاملون بنبرة متعالية مع التنظيمات السياسية الأخرى،تحولت إلى سلوك استعلائي تحقيري بناء على قناعة وهمية شقية بأن الحزب هو من أنقد المغرب والمؤسسة الملكية من عواصف الربيع العربي، وهو ضامن الاستقرار بالبلاد.

ثانيا : انتقال قادة الحزب من الاستعلاء والعجرفة إلى التأطير والشحن الديني، إيمانا منهم  بأن المغاربة بحاجة دائمة إلى حبوب أو أقراص دينية لتنشيط مخيالهم العقائدي. وبناء على مثل هذه القناعة الميئوسة، عمد دعاة اللحى المسترسلة أو المقصوصة (كل على هواه) إلى تكرار نفس الخطاب القائم على تكفير كل من ليس مثلهم في أجندة “الصالحين المصلحين”. وقد أفلحوا مع تعاقب سنوات تدبير الشان العام من تأسيس تنظيمات برؤوس متعددة، توغلت في الكثير من المؤسسات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية وحتى النقابية. تنظيمات اخترقت البوادي والأرياف المغربية والكثير من المجالات الحيوية. غير أنها لم تفلح في تصحيح الخلل التنموي وازدادت تخبطا في تدبير الشأن الاجتماعي والاقتصادي.

ثالثا : كان للفضائح المتعددة لتجار العقيدة، داخل الوطن وخارجه، صدى مدمرا في نقوس المغاربة الذين فهموا أن أصحاب اللحى هم اليوم بقدر ما يعملون، عن طريق استغلال الدين، على تسويق السراب والخرافة للمغاربة، يتوغلون خفية في سلوكات مخلة بالأخلاق ومنافية لتعاليم الإسلام. والأمثلة كثيرة بدءا من الزوج الحبيب الشوباني إلى النائبة البرلمانية أمينة ماء العينين، وللداعيتين فاطمة النجار وعمر بنحداد ثم الوزير اليتيم، واللائحة طويلة… 

رابعا : تشديد الحزب في حملاته الاستحقاقية على محاربة الفساد غير أنه رفع بمجرد وصوله إلى السلطة شعاره المعروف “عفا الله عما سلف”، فاسحا المجال لمزيد من الفساد الإداري والسياسي والاقتصادي وحتى الإنساني الذي ميز عهده. ومن نتائج هذا التخبط أن أشعل فتيل الاحتجاجات المظاهرات المطالبة برفع مظاهر الظلم والفساد الناجمة عن السياسة الكارثية لمسوقي اللحى والحجاب. ومن هنا لم تعد شرائح واسعة من المغاربة تستمع لما يقوله الحزب لأنه لا يقول شيئا دقيقا، ولا واضحا ولا صادقا. 

خامسا : توجه الحزب إلى تطبيق ليبراية اقتصادية متهورة في فترة حكمه الأولى 2011 ـ 2016 تلتها ليبرالية أفظع لم يشهد المغرب مثلها في حكومات سابقة. إذ ارتفعت المديونية بشكل مهول دونما نتائج ملموسة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. وأسفر هذا التخبط عن حلول ترقيعية من قبيل “التعاقد” في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة. وكانت الطامة الكبرى : أساتذة وممرضون يستفيدون من عملية التوظيف المفتوح من دون دراية ولا تكوين ولا معرفة. أساتذة جاهلون ببيداغوجية التدريس يدرسون الجهل لأبنائنا. هل هناك اعتداء أقوى عللى الوطن من الاعتداء على التعليم والصحة.

سادسا : رفض الحزب الإسلاموي لمنطق الحداثة الذي يفرض نفسه بحكم الحاجة إلى التطور، جعله يوظف توظيفا شقيا للمدارس والإعداديات بمختلف جهات الوطن، باعتبارها البيئة الأساسية للتأثير والتأطير الديني والاجتماعي وحتى السياسي. ولأنها ذات وظيفة حيوية وحاسمة في إصلاح الشباب أو إفساده، استغل أنصار البيجيدي ومناضلوه من أساتذة وأطر، وهم مجموعة كبيرة متعششة في المدن والأرياف المغربية، الفضاء المدرسي لشحن الشباب بأقراص دينية مسمومة للدفع به إلى التطرف والانزوائية. وفي هذا المسعى بالضبط، انقلب السحر على الساحر، حيث أدرك العديد من الطلبة على التو أن ما يلقنه أستاذ الفيزياء، يشطب عليه أستاذ التربية الإسلامية، وما يقدمه مدرس الفلسفة، يسخر منه أستاذ التاريخ الإسلامي، وما يعطيه مدرس التربية وعلم النفس ينسفه أستاذ الدين بخرافاته الوهمية. ذاك هو الفكر الديني السلبي الذي فطن له الناخبون في كل أرجاء الوطن، وحولوا مسعى البيجيدي إلى عقاب انتخابي قوي.  

سابعا : جنوح الحزب، تحت غطاء العمل الخيري الإنساني، إلى عمليات احتيالية دنيئة في الكثير من المناطق المغربية، طالتالفئات المغلوبة ، من أجل تلميع صورته في أفق الاستحقاقات الانتخابية القادمة. والأمثلة كثيرة عن هذا الغرض المدسوس الذي شمل القرى كما الحواضر، في عمليات ظاهرها المساعدة الإنسانية التي تنشر صور دعائية عنها على المواقع الاجتماعية، وباطنها كسب التأييد والتعاطف اللازمين عند الحاجة. وغالبا ما خلف هذا السلوك الذي تحركه أغراض انتخابوية مدسوسة، موجة عارمة من السخط والغضب في أوساط المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان.

ثامنا : الآفة الأولى للبيجيديين ومن يسير على منوالهم من متأسلمين، أنهم يركبون على الدين الإسلامي كوسيلة وحيدة وناجعة لسرقة السلطة. آفتهم الثانية أن ليست لدى قادتهم قناعة دينية حقيقية، ولا منظومة مبادئ أو قيم يدافعون عنها، فهم ينقلبون من الضد إلى الضد بسرعة جنونية، كلما اقتضت المصلحة ذلك. ثم إنهم يتبنون أفكارا خطيرة ليس فقط على المغاربة بل على سمعة الإسلام نفسه، حيث توظيف الدين في السياسة هو أبغض وسيلة لتخدير الشعوب وأشدها خطرا على مستقبلها. وهنا أيضا فطن المغاربة بمناورات تجار الإسلام المزيف، وكان عقابهم شديدا على تخبطهم وانعدام كفاءتهم وسياسة الارتجال التي ميزت أداءهم. 

تاسعا : موجة السخط التي واكبت تهميش مطالب الشعب على حساب الامتيازات التي منحت لعبد الإله بنكيران معاشين، الأول استثنائي والثاني مدني تكميلي، معاش مريح بقيمة 7 ملايين سنتيم، فيما كان آخر مرسوم أصدره قبل مغادرة رئاسة الحكومة، هو مرسوم يمنح تعويضات ضخمة لرؤساء الجماعات والجهات ونوابهم. 

عاشرا :  تقزز المغاربة ونفورهم من أساليب الدعاية والتسويق الممنهج لإنجازات الحزب الوهمية التي يتم الترويج لها من خلال إستراتيجية تواصلية يتم بموجبها ممارسة نوع من الجاذبية المصطنعة على المواطنين وحملهم على تبني مناهجهم في أفق الاستحقاقات القادمة. 

ومصدر هذه الحملات الدعائية صورة الحزب التي ازدادت تميعا في أوساط الرأي العام المحلي والوطني، وإلى العطاء الباهت والمتدني لحزب المصباح، فضلا عن الفضائح المالية والأخلاقية المدوية التي طالت أطر وقياديي الحزب داخل الوطن وخارجه.

تلك هي الأسباب العشرة التي دفعت بنكيران والعثماني إلى حفر قبر سياسي عريض ليدفنا فيه بيديهما “الطاهرتين” أعز ما لديهما في الكون : حزب المصباح، بعد أن أصبح رقما لا قيمة له في المشهد السايسي الوطني. ومع جنازة البيجيدي، تكون جميع القوى السياسية التي توظف الدين في برامجها وشعاراتها قد انتهت. البعض منها بانقلاب كما حدث في الجزائر، والبعض الآخر بالإرادة الشعبية وصناديق الاقتراع مثل حزب العدالة والتنمية.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *