10:21 - 14 أغسطس 2018

حين يتحول الزعيم عبد الإله بن كيران إلى مسخرة بين الشباب

برلمان.كوم

بقلم أبو أمين

يؤسفني كثيرا ما آلت إليه أوضاع الزعيم السابق لحزب العدالة والتنمية، الذي صرح بعظمة لسانه أمام مؤتمري حركة التوحيد والإصلاح، أنه عانى كثيرا من أزمة نفسية حادة، وكرر نفس القول أمام جموع شبيبته، وكأنه يستدر الشفقة من أعضاء حزبه، وهو الذي أتقن سابقا كل فنون البكاء والتأسي.

الزعيم، قالها بمرارة وعلى مضض، قال إنه كان ينوي الرحيل بلا عودة، فمنعه الأقارب وبعض المريدين. وقال إنه حرم من الكلام في بعض أمور الحزب والدولة، ولمح إلى ما تعرض له من الخلان والمقربين، وخاصة مستشاريه ووزراء حزبه السابقين والحاليين، وذكر بعضهم بالأسماء، ولسان حاله يقول:

وظلم دوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند

نعم، يمكن أن نتفهم مشاعر بن كيران، وحسرته وآلامه؛ فالأسد الجريح تلهو على ظهره صغار القرود. وكيف لا؟ والزعيم الهمام منى النفس بقيادة الحكومة للمرة الثانية، فتاهت به السبل في المفاوضات، وكان بين كل جولة وأخرى يخلد للنوم شهرا أو شهرين، ويتقلب في فراشه ذات اليسار وذات اليمين، وينال من سريره كل أركانه، ويحلم ليلا بما لم يحلم به عنترة وسيف ذو يزن في زمانهما. إلى أن انقضى من السنة نصفها، فلا الحكومة تشكلت، ولا هو أصبح رئيسا لها.

كيف لا، وبعض هواة السياسة داخل حزبه حملوه على أكتافهم، كي يخلدوه زعيما تاريخيا لحزب العدالة والتنمية، فلم تتكلل جهودهم بالنجاح، وسقط الزعيم من على الأكتاف، ومن تم سقط من منصة الأمانة العامة.

وبعد انهيار صرح الزعيم التاريخي، فتش الهواة في قواميس الألقاب والتسميات، فاقترح أحدهم تسميته ب”المهاتما”، وقال آخر بل نلقبه “المعتصم بحبل الله”، وتهاطلت الاقتراحات والألقاب ، فهذا يقترح “الفاتح” ويرافع من أجلها، والآخر يقترح “عزيز الحزب” ويدافع عنها، إلى ان اتفقوا على تسميته بـ “زعيم الزعماء”، فنزل وحي الإلهام على أحدهم ليقترح تلقيبه بـ “الزعيم الاممي”، وهو لقب ثوري، حمله اليساري المعروف المهدي بنبركة، لأنه كان يقود نضالا موحدا بين القارات الثلاث، أوائل الستينيات من القرن الماضي.

ولأن المريدين من أبناء حزبه لم يجدوا صعوبة في العثور على لقب، فقد بدؤوا مسيرة جديدة لتنصيبه قائدا لصفوف حركة التوحيد والاصلاح، وأقنعوه أنها أصبحت على مرمى حجر، وبأنه هو الأولى بها من غيره، وأنها ستكون تحت إمرته كخاتم سليمان، يحقق بها كل الأماني والاحلام. فانتصب زعيم الجماعة واقفا، وشحذ لسانه مرة اخرى وبنات أفكاره تقلب كوانيش المصطلحات والنكات، التي سيجود بها في هذا الخطاب او ذاك، فلكأني به فارس في العصر الرومنطيقي، وهو يزين فرسه، وينمق لوازمه، حيث لا قيمة للسيف، ولا للجام.لقد تخيل نفسه زعيما سيحرك الساكنات ويوقظ النائمات، ويوحد بين الحركات، ويمتد نفوذه ليشمل كل الجماعات،ثم يعود يوما لقيادة العدالة والتنمية، وقد اتسع نفوذها ليشمل جماعة العدل والاحسان، وحركة نبيلة منيب وغيرهما.

وما بين باحة الحلم، وساحة المجابهة، ساعات قليلة فقط، حتى وجد فارسنا نفسه وهو يتلقى الصفعات من أقرب مستشاريه ومقربيه، بمناسبة انتخابات زعامة الحركة. فاحتل الفارس الهمام أدنى مرتبة من بين الجميع، وتعثر فرسه مرة أخرى، فلم ينل من عشيرته إلا بفتات المائدة المهين، بضع عشرات من المصوتين، جعلته في الدرجة الأخيرة في التصنيف.

حمل الزعيم خيبته على كتفيه وعاد مساء الى بيته، يجرجر أديال الخيبة والهزيمة؛ مكسور الخاطر، منحني الرأس، وقد ضاقت به الارض بكل ما رحبت. وقبل أن يضع رجله اليمنى داخل البيت، أعادته الذاكرة الى هتافات شبيبة حزبه أثناء استقباله له:

“بن كيران رجع رجع…راه سكوتك كيوجع”
“الشعب يريد…بن كيران من جديد

ظل واقفا أمام بيت، وهو يتأمل ويراجع حساباته، ويتذكر أهم ما جاء في خطابه من تنويه بالشباب، وتذكير بقضاياه، ثم دفع برجله اليسرى إلى داخل البيت، وقد اختلطت بداخله المشاعر، وتحركت ببواطنه الهواجس، فرفع رأسه قليلا، وكأن شخصا ناداه من بعيد، لتظهر أمام عينيه سجادة مستقبله السياسي وهي تبدو مفروشة بالآمال العريضة، فتعلو على وجهه بهجة جديدة، وتتسرب إلى شفتيه ابتسامة الحيران الذي وجد السبيل، فردد في داخله ما معناه أنه لن  ينهار أمام كل الهزائم النكراء التي واجهها أثناء نضاله من أجل قيادة الحكومة، أو قتاله من أجل المحافظة على الأمانة العامة، أو أثناء تسلله الفاشل لانتزاع زعامة الحركة، نعم، هناك أمل آخر بزغ في طريقه، ولا بد من التفكير في كيفية الوصول إليه!!.

دخل الزعيم إلى بيته وهو يسارع الخطى بهمة وعزيمة، ووقف أمام المرآة الكبيرة المعلقة مقابل مدخل البيت، وبينما هو يتأمل قسمات وجهه، وكيف تسللت إليه طفيليات التجاعيد، رفع عينيه قليلا ليلقي نظرة على شعر رأسه، وكيف كساه الشيب اللعين، ثم نزل بنظراته بخجل إلى ذقنه فقال: “حسنا فعلت قبل أيام حين حلقت تلك اللحية بكاملها، فقد اشتعلت بلهيب الشيب الكاسح، ولم تعد تليق بمقامي”. هنا تساءل الزعيم على الفور: “لماذا لا نسلك مسلك أهل الخليج الذين يطردون الشيب بعصي الصبغة والألوان؟ لقد كذب من قال إن الشيب وقار”.

سمعت نبيلة زوجها وهو يقهقه بالضحك، فقفزت من مكانها مذعورة خوفا عليه من أي أذى يصيبه بعد هزيمة ذلك اليوم. التفت إليها وهو يجرها إليه بحنان ثم سألها: “ما رأيك يا نبيلة  في شبيبة الحزب؟ ابتعدت عنه قليلا، وكأنها تتنصل من يديه الموضوعتين بثقلهما على كتفيها، وأجابته: “إنهم أوفياء لخطابك ونضالك، وإن أغلبهم يصطفون وراءك، ويرون فيك “الزعيم الأممي”. نط الزوج أمامها كبطة تقفز بنشاط، ووقف في وجهها وكأنه شاب في عنفوان حيويته واندفاعه، “ألا يليق بي اليوم أن أقود الشباب، وأصبح زعيمهم”، قاطعته نبيلة على الفور: “اتق الله في نفسك يا عبد الإله، فالشبيبة قد تليق بأحد أبنائك وبناتك، أما أنت فقد جاوزت الستين، ولم يعد لك فيها حق أو دين”.

التفت إليها الزعيم منتفضا، وهو يردد “صهي نبيلة صهي!! لقد تقلبت عبر كل هياكل الحزب، فلم أسترجع الزعامة المفقودة، وأنت تعلمين أنني نجحت في تغيير نظام الحزب كي يسمح للرئيس بانتداب ثالث. فلماذا لا أسطو اليوم على نظام الشبيبة، وأدخل عليه تعديلا يقضي بأحقية الزعيم الذي قضى انتدابين متواليين، أن يقود الشباب ولو تجاوز الستين؟.

تابع كلامه بجدية كبيرة، ذكرت نبيلة في أيام غرامه لها، ورفض عائلتها تزويجها به، حيث كان لا يكل ولا يمل من التأكيد لها أنه رجل عنيد، وأنه سينال يدها حتما، أراد أبواها أم كرها معا. جالت في خاطرها أشياء كثيرة، ومنها أن السياسة سرقت منها زوجها، وأن الزعيم يرفض التقاعد. تسللت دمعة خجولة على خدها الأيمن، تبعتها أخرى بحياء على خدها الأيسر، وهي تتأمل حركات زوجها وقفزاته أمامها، بينما تابع هو مرافعته قائلا: “ماذا لو حلقت، يانبيلة، كل شعر رأسي، كما فعلت بلحيتي، كي أمحو آثار الشيب الذي كساني، وأزيل  ربطة العنق التي ألصقت بي وأنا وزير، وأرتدي ثيابا تليق بالمهام الجديدة؟ ألست قادرا على مزيد من العطاء، أليس لساني أقوى من ألسنتهم، وساعدي أشد من سواعدهم؟ أنا لن أغادر السياسة يا نبيلة، أنا لها أنا لها، والله سأعاود الكرة مرارا وتكرارا، لكي أشوش على كل من يريد بي سوءا، أما الوطن!! فللبيت رب يحميه، تسللت نبيلة بهدوء لتتكوم في فراشها كقطة هادئة تروم الدفء، بينما ظل عبد الإله يرقص بأمل وبهجة.