10:59 - 10 فبراير 2020

عملية “سطو” في جنح الظلام على بحيرة بالرباط

برلمان.كوم

تفاجأ عدد من سكان حي التقدم بالعاصمة الرباط، وخصوصاً أولئك الذين تطل مساكنهم على بحيرة الحي الصناعي، بإنزال جهات غير معروفة لعدد من الآليات الثقيلة من بينها جرافات التربة، التي قامت بطمر جزء مهم من البحيرة التي تصل مساحتها إلى حوالي 9 هكتارات، دون سابق إنذار أو بطاقة تقنية (la fiche technique) للمشروع، تظهر للعموم ماهيته ونوع النشاط الذي سيقام على الأرض، وجدواه على الساكنة، والجهة صاحبة هذا المشروع، ومكتب الهندسة والدراسات، والكلفة المادية، والمدة الزمنية التي سيستغرقها إنجازه.

مشروع غامض يحير الساكنة ويفضح صمت مجلسي المدينة والجهة

فحسب وثيقة حصل عليها “برلمان.كوم”، فإن تكلفة إزالة البحيرة وتجفيفها كان قد خصص لها إعلان طلب عروض (appel d’offre)، حيث رصدت له حوالي 9701790.00 درهم، إذ من المفترض أن يصبح في المكان سوق جهوي للجملة لبيع الخضر والفواكه.

والغريب هو أن مجلس مدينة الرباط ومعه مجلس جهة الرباط-سلا-القنيطرة، كانا قد صادقا على مشروع مماثل أي سوق الجملة الجهوي لبيع الخضر والفواكه، إضافة إلى مجموعة من المرافق كما هو مبين بالوثيقة أسفله، بجماعة أبي القناديل بسلا على مساحة 109 هكتارات، ليطرح السؤال التالي؛ هل أعاد المجلس التصويت على تغيير مكان المشروع ؟ وإذا كان قد فعل ذلك، ففي أي دورة من دورات المجلس قام بالمناقشة ؟ وأين جدوى الدراسة البيئية التي من المفترض أن يقوم بها؛ لأن مثل هذه المساحات الرطبة “zones humides” تحتوي على مجموعة من الكائنات الحية والطيور؟. طبعاً هذه الأسئلة لم نجد لها لحد كتابة هذه السطور أي إجابة من الجهة التي من المفترض أنها ستقوم بتشييد المشروع الغامض والذي لم تجد له الساكنة جوابا.

قائدة “متعجرفة” تأمر الساكنة بتوقيع عريضة لإزالة البحيرة الطبيعية

في تصرف غريب، قامت الجمعة الماضي، قائدة المحلقة الإدارية بالحي الصناعي التقدم بالرباط بمحاولة حجز كاميرا “برلمان.كوم”، ومنع طاقم الموقع من تصوير “روبورتاج” حول بحيرة طبيعية نواحي منطقة عكراش بالرباط، تتم الأشغال بها لإزالتها، حيث تم الاعتداء على المصور الصحفي للموقع وتمزيق ثيابه من طرف حراس أمن خاصين كانوا يحرسون الآليات بالبحيرة المذكورة لم يكشفوا عن هويتهم، مما يطرح سؤالا حول أسباب المنع والجهة التي أصدرت هذا القرار رغم توفر الموقع على جميع الرخص الخاصة بالصحافة والنشر.

تصرف “القايدة طامو”، كما يحلو للساكنة تسميتها، لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه حسب مصادر محلية إلى تعميمها عريضة على السكان االقاطنين بجوار البحيرة من أجل توقيعها، مرفوقة بطلب لإزالة البحيرة، بدعوى أنها تزعجهم، وتتحول في فصل الصيف إلى مكان يجمع العديد من الحشرات و”الناموس” الذي يضر أبناءهم، حسب تصريحات ساكنة الحي. مما يطرح سؤالا من هي الجهة التي أمرت القائدة بتوزيع العريضة على السكان؟ ومن يحركها للإشراف على إزالة البحيرة؟.

غموض يلف موقف والي جهة الرباط-سلا-القنيطرة

وتساءل العديد من المواطنين بالمنطقة ووسائل الإعلام عن الموقف الغامض لمحمد اليعقوبي، والي جهة الرباط-سلا- الذي يفترض فيه مراقبة ما يقع بالمناطق التي تقع تحت نفوذه الترابي، ومدى حدود تدخله لإيقاف هذه “الجريمة” البيئية، وكيف يعقل أنه لم يخرج بأي بيان رسمي يوضح من خلاله نوع المشروع الذي سيقام على البحيرة بعد تجفيف مياهها والجهة صاحبة المشروع الجديد في ظل تخبط مجلسي المدينة والجهة.

شركة مجهولة الهوية تقوم بإزالة وتجفيف البحيرة

حاول موقع “برلمان.كوم” الوصول إلى هوية الشركة التي تقوم بإنجاز مشروع إزالة البحيرة وتجفيفها عبر استفسار السلطات المحلية وعلى رأسها القائدة المكلفة بتتبع الأشغال المنجزة، لكن ظل جوابها هو “أن هذا الورش ملكية خاصة وليس لأي شخص حق دخوله أو تصويره”، علما أن مكان الورش لم توضع بمدخله أي بطاقة تقنية تكشف عن هوية الشركة المنجزة للمشروع كما أشرنا سالفا.

خبراء بيئيون يصنفون البحيرة ثروة طبيعية وتراثا إيكولوجيا استثنائيا

يعتبر العديد من الأكاديميين والبيولوجيين الذين قاموا ببحوث رصينة ومحكمة على موضوع الكائنات الحية وخصوصاً الطيور بالبحيرة، أن هذه الأخيرة تعتبر موقعا إيكولوجيا فريدا مهددا بالاندثار بسبب تجفيفها وتحويل مساحتها إلى سوق للجملة، ومن بين أنواع الطيور هناك العفاس الأصدأ، والفرفور الأرجواني، والغرة القرناء والغرة السوداء، والواق القزم والطوّل الأبيض، والتي تعتبر أنواعا نادرة وجد مهددة. هذا بالإضافة إلى أن الضاية تقع جغرافيا على محور الهجرة الغربي الأطلسي الرئيسي؛ مما يمكنها من استقبال عدد كبير من الطيور الشتوية أو العابرة سنويا، التي تأتي غالبا من القارة الأوروبية.

وشدد الخبراء على أن إزالة هذا النوع من المواقع هو من بين الأسباب الرئيسية لانقراض الطيور المهاجرة.

وفي هذا الإطار، يجب الإشارة إلى أن “ضاية حي التقدم” تعتبر ملجأ لـ 98 نوعا من الطيور، وهو رقم جد مهم بالنسبة لمنطقة رطبة مساحتها 9 هكتارات فقط.

وأسفرت زيارات البحث ومراقبة الطيور التي قام بها أعضاء جمعية “GREPOM/BirdLife” وبعض العلماء المغاربة والأجانب منذ عدة سنوات فيما يخص ضاية التقدم (الحي الصناعي) عن كون هذا الموقع يعتبر ثروة طبيعية استثنائية، يجب الاعتراف بها وتسليط الضوء عليها، إذ تمثل موقعا فريدا من نوعه لكونها آخر ضاية طبيعية للمياه العذبة بالرباط، فهي تستمد مياهها من منابع طبيعية عذبة موجودة على التل المجاور. وحسب الخبراء فكونها الموقع الوحيد في الجهة الذي يحتوي على تشكيل نباتي مهم من نبات “التيفا”.

وفي هذا الصدد، لا يمكن أن نغفل الاتفاقيات التي صادق عليها المغرب والتزم فيها بالحفاظ على هذه المناطق، ونذكر منها على سبيل المثال، اتفاقية رامسار بإيران ينة 1980.

اهتمام عالمي بالبحيرات الطبيعية مقابل إهمال وطني

ويشار إلى أن عدداً من البلدان تهتم بالمناطق الرطبة، وتثمنها وتجعل منها مزارات سياحية داخلية وخارجية، حيث يمكن أن تسهم في استقطاب السياح داخلياً وخارجياً لما تزخر به من أحياء طبيعية تتنوع بين الطيور، والطحالب والنباتات، وبعض الكائنات الحية الأخرى، كما تقوم بتسييجها وحمايتها من أي ضرر يمكن أن يلحقها، إذ لا تقتصر قيمتها على السياحة بل تنضاف إليها القيمة العلمية من خلال تشييد مختبرات بحث وتوقيع اتفاقيات مع الجامعات و المدارس التي تنظم لها رحلات استكشافية وبحثية.

 وكان عدد من الأكاديميين المغاربة والخبراء البيولوجيين، قد طالبوا من خلال مراسلات إلى الجهات المسؤولة بمدينة الرباط، (ولاية، جهة، مجلس مدينة، منتخبين، وكالة تهيئة ضفتي أبي رراق)، بحماية البحيرة والتفكير في جعلها مرصداً يساعد على إنجاز بحوث علمية لغناها الطبيعي، وهذا مالم تستجب له كل هذه الجهات .

غياب مندوبية المياه والغابات

كشف أحد المسؤولين بالمندوبية السامية للمياه والغابات، في اتصال مع “برلمان.كوم”، أنهم حضروا أحد الاجتماعات بولاية الرباط-سلا-القنيطرة، حيث أبدوا رأيهم بخصوص البحيرة، والمخطط الذي يحاك من أجل إزالتها، حيث شدد على أنه يجب القيام بدراسة رصينة وإيفاد لجنة علمية إلى الموقع من أجل البت في أمر إزالتها، دون أن يعرفوا نوعية المشروع الذي سيقام على أرض البحيرة.

وكان أحد أبناء الحي قد صرح لـ”برلمان.كوم” أنه كانت توجد بالقرب من البحيرة لوحة مكتوب عليها أن تلك البحيرة تعتبر محمية طبيعية، قبل أن تتم إزالتها بشكل مفاجئ ودون معرفة الأسباب الكامنة وراء ذلك.

تضارب المسؤولية بين مجلسي المدينة والجهة وبين الولاية

ويشار إلى أن العديد من المتتبعين لهذه “الجريمة البيئية”، منذ بدايتها استغربوا صمت مجلس مدينة الرباط، الذي يرأسه محمد صديقي، عن حزب العدالة والتنمية قائد الحكومة، وعدم خروجه بأي تصريح رسمي أو جواب شافي حول ما يقترف، ومازاد الأمر غرابة، حسب الوثيقة التي توصل بها “برلمان.كوم”، هو أن الصديقي أدرج ضمن اجتماع مجلس جماعة الرباط في إطار الدورة العادية لشهر فبراير، نقطة تتعلق بـ”الدراسة والمصادقة على إحداث شركة التنمية المحلية لتدبير مجمع التسويق للمنتجات الفلاحية والغذائية (التصويت الثاني)”، وهنا يطرح السؤال لماذا التصويت الثاني، وقد صادق المجلس خلال التصويت الأول على إقامة سوق الجملة ببوقنادل عوض مكان البحيرة.

عملية سطو في جنح الظلام على 9 هكتارات هي مساحة البحيرة

هذا الغموض في إنجاز هذا المشروع وعدم الكشف عن صاحبه والجهة المستفيدة منه، جعل ساكنة المنطقة تصف هذه الخطوة المجهولة المصدر بعملية “سطو” على الملك العمومي، وإعدام ثروة تكونت طبيعيا وعمرت لسنين بنواحي مدينة الرباط، واستقبلت المئات من أنواع الطيور المهاجرة من بلدان العالم.

ووفق ما توصل إليه “برلمان.كوم” فإن الأشغال تستمر إلى ساعات متأخرة من الليل في محاولة لتسريع عملية إزالة البحيرة بعد تطمينات القائدة للساكنة بعدم استئناف الأشغال وتوقيفها نهائيا.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *