17:37 - 19 مارس 2018

في ضيافة جليلة .. مطعم مغربي بباريس مزيج بين الطبخ البربري والمتوسطي والعربي

باريس ـ أحمد الميداوي

كلينت إيستود، جاك شيراك، ألان جوبي، ليونيل جوسبان، دومنيك دو فيلبان، لوران فابيوس، جودي فوستير، مارسيل خليفة، وديع الصافي، إبراهيموفيتش، زين الدين زيدان، فوضيل.. شخصيات عالمية وازنة في مجالات الفن والسياسة والأعمال والرياضة توافدت ولاتزال على مطعم “الأطلس” المحاذي لساحة محمد الخامس قبالة معهد العالم العربي بباريس.. بهذا المكان أقامت جليلة الجزيري ومعها زوجها بوجمعة الجزيري مطعما مغربيا أصيلا من حيث أشكاله الهندسية الداخلية، متميزا بما يقدمه من أطباق ووجبات ترمز لأصالة وتنوع المطبخ المغربي.

مطعم “الأطلس” كما تؤكد ذلك الشهادات الموثقة في الدفتر الذهبي، هو عنوان لأصالة الطبخ المغربي. تلك الأصالة التي جعلته يتوج في متم 2107 بجائزتين من جمعية “محترفي الطبخ الفرنسي”، وتضم كبار الطهاة الفرنسيين والأوروبيين: ميدالية الطبخ المغربي وميدالية الشوكة الذهبية.

التصميم الهندسي للمطعم يعطي الانطباع بأنه فضاء للحوار والتبادل بالدرجة الأولى، فضاء ينشئ فيه الرواد طقوسا للتجادل في القضايا الفنية والثقافية والاقتصادية.. والمكان هو أيضا ملجأ لثقافة أصيلة يتجسد فيها الحضور المغربي بتنوعه وتراثه المختزل للهوية والرمزية المغربيتين. وفي ثنايا المطعم يبرمج الوافدون زياراتهم القادمة للمغرب للاستلذاذ بنكهة الأطباق والتعرف عن قرب على مسارات الطبخ المغربي عبر العصور.. هذا الطبخ الذي أفردت له صحيفة “لوفيغارو” ملفا خاصا تحت عنوان: “أسرار التوابل والأعشاب في المطبخ المغربي”.

تتذكر جليلة أنها فتحت مطعمها لكي يبقى دفء حبها لبلدها المغرب نابضا في قلبها. ولأنها شديدة الارتباط بوطنها الأصلي، اهتدت إلى تجارة ثقافية وتراثية تعيش في كنفها وتشعر فيها، بعيدا عن حسابات الربح والخسارة، بالراحة والاطمئنان.. فضاء يتيح لها، كما قالت لي في دعوة غذاء ثقافي، أن تعيش في بلدها المغرب وكأنها لم تغادره أبدا. وقد أطلقت على المطعم اسم “الأطلس” ليكون بمثابة تكريم لبلد النشأة والهوية.

تحكي جليلة بكثير من الاعتزاز عن الوسط المتواضع الذي نمت وترعرعت فيه، وقد منحها على بساطته، الشحنة اللازمة لإثبات الذات.. كانت تعشق الطبخ ولكنها كانت مولعة أكثر بالقراءة إلى حد أنها كانت تنعزل في مكان متستر لسرقة بعض اللحظات مع الكتب حتى لا يضبطها أحد من الأهل لينبهها بواجبات البيت والمطبخ والغسيل.. وقد نجحت في نهاية المطاف في إقامة توازن بين ثقافة التحصيل والاطلاع التي منحتها الإجازة في الآداب، وثقافة الذوق التي نجحت من خلالها في ابتكار أطباق فريدة في توابلها وعطورها وأصالتها.
ورمزية المطبخ المغربي، تقول جليلة، تنجلي بقوة في ذلك المزيج المتنوع الذي ما كان ليتم لولا “طريق الحرير” أو “طريق التوابل” الذي منح للعديد من الشعوب فرصة التألق في الطبخ. ويمكننا أن نروي قسما كبيرا من حضارتنا العربية والإسلامية من خلال هذا المحور وأيضا من خلال عدد كبير من المؤرخين والكتاب الذين اهتموا بالطبخ وكتبوا عنه.

الكثير منا، تقول جليلة، ينظر اليوم بشيء من الحسرة إلى تراجع بل تلاشي عدد من الأطباق المغربية بالرغم من أن مكوناتها الصحية متكاملة، غير مكلفة وبسيطة الإعداد. وهو تراجع يصب في صميم نكران فضائل أسلافنا في هذا المجال، ويستدعي من ذوي الاختصاص العمل على إحياء هذه الأطباق وتثبيتها ضمن الوجبات المغربية المازجة بتوابلها وعطورها بين النكهة والمقومات الصحية. أن يخترع طباخ اليوم وصفة بعد أن سبح في الإنترنيت وجمع كمّا من المعطيات ليصل إلى تكوين وجبة معينة ليس بالأمر العسير، لكن العسير هو تحقيق هذا الثراء الكبير في المطبخ المغربي، مثل الطنجية والبسطيلة والكسكس بأشكاله المختلفة والطواجين بعشرات الأنواع، من دون وسائل اتصال ولا إنترنيت ومع الشح في المواد والإمكانيات.. فشكرا جزيلا للأجداد على هذا التراث الرائع الذي جعل مطبخنا يحتل الرتبة الثانية برأي الفرنسيين، والرتبة الثالثة عالميا بعد فرنسا والصين، برأي ذوي الاختصاص.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *