15:48 - 21 مارس 2018

قضية بوعشرين.. بين القانون والسياسة والدين

برلمان.كوم-الأندلسي

في مقالة منشورة في صدر جريدة “أخبار اليوم” تحت عنوان “قضية بوعشرين.. البراءة هي الأصل”، تناول القيادي في حزب “العدالة والتنمية” ورئيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان عبد العالي حامي الدين وقائع قضية توفيق بوعشرين من منظور قانوني وحقوقي وسياسي، مستعرضا المقتضيات الدستورية الداعمة لمبدأ قرينة البراءة، وملمحا لتسرب أخطاء وخروقات إلى عمل الضابطة القضائية والنيابة العامة في هذا الملف، قبل أن يختم وجهة نظره بعرض ملاحظة حول “مبادئ الاختصاص النوعي” للفرقة الوطنية للشرطة القضائية، والتي قال بشأنها إنها تحتاج إلى جواب مقنع!

وبشكل متزامن، نشر “العالم المقاصدي” أحد الريسوني، الرئيس السابق لحركة “التوحيد والإصلاح”، الجناح الدعوي لحزب “العدالة والتنمية”، مقالة تحت عنوان “قضية بوعشرين: فضائح جنسية أم فضائح سياسية”، من أبرز ما جاء فيها “أما النسوة اللائي يتم إخفاؤهن في القاعة المغلقة، فمن المؤكد الآن أنهن قد ساهمن أو استعملن في اغتصاب رجل: في أمنه وعرضه وحريته وكرامته ومهنته. أما هل تعرضن هن للاغتصاب؟ وهل تم الاتجار بهن؟ فهذا مازال في طور الادعاء وينتظر حكم القضاء والقدر”.

وعلى الرغم من كون حديث “القيادي السياسي والحقوقي” و”العالم الديني” انصب، كل من موقعه، على استعراض مفهوم “القرينة”، التي تعني اصطلاحا “كل شيء يشير إلى المطلوب على سبيل الترجيح لا اليقين”، كما تعني عند علماء الشريعة “استنتاج أمر مجهول من أمر معلوم”، إلا أنهما فضلا استخدام عبارات الجزم واليقين في تأويل هذا المصطلح لفائدة توفيق بوعشرين، قبل أن يخلص الأول إلى اعتبار هذا الأخير “ضحية قلم”، بيد أن الثاني اعتبره ضحية “اغتصاب نسائي!”.

وقد أثارت مواقف عبد العالي حامي الدين وأحمد الريسوني ردود أفعال عديدة عند المتتبعين والقانونيين ولدى الرأي العام الوطني، كما استأثرت بنقاش عمومي تسبب في حركية متنامية للتدوينات في وسائط الاتصال الجماهيري والإعلام البديل، أجمعت كلها على رفض تسييس القضية واستغلال “عمامة الفقهاء” لتبييض صحيفة بوعشرين على حساب تدنيس شرف الضحايا وكرامتهن.

“البلاجيا” القانونية والدينية.

من جملة ما نشره رواد “الفيسبوك” عن مقالة عبد العالي حامي الدين، أنها تعمدت استعمال مقص “البلاجيا” أو السرقة الأدبية لثلاث فقرات متكاملة من مقال منسوب لوكيل عام سابق كان قد نشره في جريدة “الاتحاد الاشتراكي” في 21 دجنبر 2009 تحت عنوان “أساس قرينة البراءة”. وبعد إجراء مقارنة بين هذا المقال الأخير ومحتويات مقال القيادي في حزب “العدالة والتنمية”، يضيف أحد التعاليق، “تبين أنهما يتشابهان حد التطابق في الكلمات والعبارات والنقط وحتى الفواصل”.

ففي الفقرة السادسة من المقال، كان عبد العالي حامي الدين قد تساءل عن موجبات إقرار مبدأ “قرينة البراءة”، فكان جوابه اللاحق مقتبسا حرفيا من المقالة المنشورة في جريدة “الاتحاد الاشتراكي” منذ حوالي عشر سنوات، دون أن يشير فيه إلى المصدر أو الكاتب أو اسم المنشور، وبدون أن يضع الفقرات المنسوخة بين قوسين أو هلالتين أو يكتبها بخط مغاير للدلالة على أنها اقتباس أو مقتطفات من حديث شخص آخر، وهو ما اعتبره (صاحب التعليق الفيسبوكي) بمثابة سرقة أدبية ومس بحقوق المؤلف والملكية الفكرية والأدبية.

أما الخرجة الإعلامية لأحمد الريسوني، فقد ارتاب في توقيتها ودوافعها العديد من المدونين والناشطين على الحائط الفيسبوكي، واعتبرها البعض بأنها تُجسد “بلاجيا التطرف والغلو” في إشارة إلى ما وصفوه بـ”استيراد الفكر المنغلق والغارق في العدمية” الذي يُقدّم المرأة “بأنها مصدر كل اللعنات”، وأنها “هي الشيطان، وهي النفس الأمارة بالسوء التي راودت بوعشرين عن نفسه”. بل إن تصريحات أحمد الريسوني هذه، جرّت عليه وابلا من التعاليق الساخطة والشاجبة، واعتبرتها بأنها “تصادر حق المرأة في الكينونة (من الكيان) وفي التعبير، والدفاع عن نفسها والانتصاب أمام المحاكم، وتجعلها شيئا محجورا عليه يحتاج دائما إلى الولي أو الوصي أو المقدم القانوني”. ألم يزعم الريسوني بأن الضحايا تم “إخفاؤهن في القاعة وتم استعمالهن في اغتصاب رجل”، وهي عبارات تفيد “استيلاب حرية المرأة والحجر عليها”، تضيف إحدى التعليقات على شبكة التواصل الاجتماعي.

الاختصاص النوعي للفرقة الوطنية.. وإجراءات التفتيش

استرعت المقاربة القانونية التي اعتمدها عبد العالي حامي الدين بنقاش مستفيض من طرف فقهاء القانون ورجال القضاء. فقد اعتبر مصدر قضائي الملاحظة التي أثارها عبد العالي حامي الدين حول “عدم أهلية الفرقة الوطنية للشرطة القضائية للبحث في الجرائم المنسوبة لتوفيق بوعشرين”، بأنها ملاحظة خاطئة وغير سليمة من الناحية القانونية، موضحا بأن حصر الاختصاص النوعي في الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية، التي استدلَّ بها رئيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، ينصرف حصريا إلى أطر وعمداء وضباط المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وليس لضباط الفرقة الوطنية للشرطة القضائية.

وإمعانا في هذه النقطة، أوضح المصدر القضائي بأن “التغييرات التي طرأت على قانون المسطرة الجنائية في سنة 2011 بمقتضى القانون 35.11، أعطت الصفة الضبطية لفئة جديدة من ضباط الشرطة القضائية، ويتعلق الأمر بالعاملين في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (المكتب المركزي للأبحاث القضائية BCIJ)، مع حصر اختصاصهم النوعي في الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية، وهي الجرائم الخطيرة المتمثلة في الأفعال الماسة بأمن الدولة، والجرائم الإرهابية والعصابات الإجرامية، وجرائم القتل والتسميم والاختطاف وأخذ الرهائن والتزييف والتزوير والاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية والأسلحة والذخائر والقضايا الخاصة بحماية الصحة”.

وأردف ذات المصدر، بأن هذا “التقييد الوارد على الاختصاص النوعي نصت عليه الفقرة الثالثة من المادة 20 من قانون المسطرة الجنائية، بشأن ضباط الشرطة القضائية التابعين للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني وحدهم دون سواهم، بينما يضطلع ضباط الفرقة الوطنية للشرطة القضائية التابعين للمديرية العامة للأمن الوطني باختصاص ترابي وطني وولاية عامة تشمل البحث في جميع أنواع القضايا والجرائم.

وبدورها لم تسلم دفوعات عبد العالي حامي الدين بخصوص إجراءات التفتيش من “تقريع قانوني وفيسبوكي”. فقد علّق أحد الأشخاص بتدوينة ساخرة قال فيها إن مواد الدستور، التي استشهد بها حامي الدين، تتحدث عن تفتيش “المنازل” وليس عن “تفتيش أريكة داخل مكتب مفتوح في وجه من يشغله وباقي الأشخاص، وخصوصا المستخدمات”. فأين هي الحرمة أو الحق في الحميمية أو الحق في الحياة الخاصة التي أراد المشرع صونها وحمايتها عندما أقر دستوريا “مبدأ حرمة المنازل”؟، يتساءل صاحب التدوينة المنشورة في العالم الأزرق.

أما رجال القانون، فقد كانت لهم وجهة نظر مختلفة تماما عمّا ذهب إليه عبد العالي حامي الدين. فقد أوضح المصدر القضائي السابق بأن الدستور المغربي وقانون المسطرة الجنائية تحدثا عن تفتيش المنازل، لما لها من حرمة، ولم يأتيا على ذكر المكاتب إلا بشكل استثنائي عند الحديث عن مكاتب المحامين التي تخضع لمسطرة خاصة (الفقرة الرابعة من المادة 59 من قانون المسطرة الجنائية)، والأماكن المعدة لاستعمال مهني التي يشغلها شخص ملزم بكتمان السر المهني، كمكاتب الموثقين والأطباء..، والتي يتعين فيها على ضابط الشرطة القضائية أن يخبر النيابة العامة وأن يتخذ التدابير اللازمة لضمان السر المهني (الفقرة الثالثة من المادة 59 أعلاه)، وكذا المحلات التي يمارس فيها نشاطا ليليا اعتياديا والتي استثناها المشرع المغربي من تقييدات التوقيت القانوني عند إجراء التفتيش (الفقرة الأخيرة من المادة 62 من نفس القانون).

واستطرد ذات المصدر، بأن “الدفع بضرورة توافر الإذن المكتوب للنيابة العامة في قضية توفيق بوعشرين هو دفع يعوزه الأساس القانوني، وفيه نوع من الخلط بين الواقع المغربي والأفلام المصرية، التي يظهر فيه عادة مأمور الضبط القضائي (الشرطي المصري ببذلته البيضاء) وهو يحمل ورقة بين يديه، في إشارة إلى أنها إذن من النيابة العامة لإجراء التفتيش”.

فالتشريع المغربي، يوضح ذات المصدر، يتحدث عن “الإذن المكتوب للنيابة العامة” في حالات دقيقة جدا، واردة على سبيل الحصر لا المثال، وهي المنصوص عليها في المادة 62 من قانون المسطرة الجنائية عندما يتعلق الأمر بجريمة إرهابية وتقتضي ضرورة البحث أو حالة الاستعجال القصوى أو مخافة اندثار الأدلة إجراء تفتيش خارج الساعات القانونية. ففي هذه الحالة، يتعين استصدار إذن كتابي من النيابة العامة. أما الحالة الثانية فقد وردت في المادة 79 من نفس القانون، وتتعلق هي الأخرى بالجريمة الإرهابية، التي يمتنع فيها الشخص الذي سيجرى التفتيش والحجز بمنزله عن إعطاء الموافقة أو تعذر الحصول عليها لسبب من الأسباب. ففي هذه الحالة أيضا، يتعين إجراء التفتيش بموجب إذن كتابي للنيابة العامة.

أما فيما عدا هذه الحالات، يستطرد المصدر القضائي، فإن الحديث عن الإذن المكتوب للنيابة العامة كمسوغ لإجراء التفتيش، فهو “تمثل ذهني لواقع الأفلام البوليسية المصرية، ولا علاقة له بالتشريع الوطني أو بالممارسة العملية بالمغرب”.

“افتراض البراءة”… لا يعني انتفاء الجريمة

هناك العديد من التعليقات والتدوينات التي اعتبرت أن “قرينة البراءة لا تسقط يقينية ارتكاب جرم طال الضحايا”، معتبرة بأن افتراض براءة المتهم ترتبط بشخصه ومركزه القانوني، ولا تنصرف إلى مصادرة حق الضحايا في الدفاع عن أنفسهن وجبر الضرر اللاحق بهن.

وقد طغى هذا السجال الحقوقي والقانوني على النقاش العمومي المثار بخصوص تصريحات عبد العالي حامي الدين وأحمد الريسوني. فهناك من اعتبر بأن تصريحات الأول “تتجاوز المفهوم القانوني والقضائي لمبدأ افتراض البراءة”، بينما رأى في تصريحات الثاني “تغليب ليقينية الإدانة لدى الضحايا وجزم ببراءة المتهم”.

فقرينة البراءة، يضيف صاحب التعليق أعلاه، تنصرف إلى عبء الإثبات من جهة وإلى الحرية الفردية للمتهم أو المشتبه فيه من جهة ثانية، فتجعل الإثبات على النيابة العامة أو المتضرر وتعفي المشتبه فيه من ذلك، بينما تجعل تقييد الحرية الفردية استثناءً وتدبيرا احترازيا فقط.

“وهذا لا يعني، من الناحية القانونية، عدم جواز الاحتفاظ بالمشتبه فيه تحت تدبير الحراسة النظرية أو إيداعه بالسجن أو اعتقاله احتياطيا، وإنما معناه جعل هذه التدابير المقيدة للحرية ذات طابع استثنائي، لا يتم الركون إليها إلا في حالات ضيقة، مع إحاطتها بسياج من الضمانات والشكليات التي تنهض كحائل ضد التجاوز والتعسف”، يضيف التعليق أعلاه.

وانسجاما مع هذا التوجه، فإن حديث عبد العالي حامي الدين عن خرق النيابة العامة لمبدأ قرينة البراءة عندما قررت اعتقال توفيق بوعشرين وإيداعه بالسجن، هو حديث مردود عليه ومجانب للقانون والواقع يؤكد المصدر القضائي ذاته، معتبرا بأن “قرينة البراءة لها تطبيقات قانونية ومسطرية عديدة تنصرف إلى وسائل الإثبات وإلى مجال الحرية الفردية. وبخصوص هذه النقطة الأخيرة، فإن النيابة العامة تكون ملزمة بالتوفيق بينها وبين حقوق المجتمع، وحريصة كل الحرص على الموازنة بين حق المتهم في ضمان حريته الفردية من جهة، وبين حق المجتمع في الاقتصاص القانوني من مرتكب الجريمة من جهة ثانية بعدما تتأكد إدانته بموجب حكم قضائي”.