13:00 - 6 ديسمبر 2019

مصالحة هتلر في العالم الرمزي… أهون من الدفاع عن مغتصب للنساء في الواقع

برلمان.كوم - بقلم: أبو علي

عندما تأبى الذاكرة الجماعية أن تتصالح مع الزعيم النازي أدولف هتلر في العالم الرمزي، نجد أن الوعي المشترك في الحقيقة والواقع أكثر رفضا للمصالحة وأشد استهجانا مع من يتاجرون بالبشر ويستغلون فاقة النساء، ويقايضون استخدامهن بالاسترقاق، بل إن التشريعات التي تحترم نفسها تعطي حجية دامغة لشكايات النساء إلى أن يثبت العكس، ليس خرقا لمبدأ قرينة أو يقينية البراءة، وإنما لأنها تعتبر النساء الطرف الضعيف في معادلة الاتجار والاستغلال، وتعفيها في المقابل من أعباء الإثبات، الذي يجب أن ينهض به المشتكى به وهيئة دفاعه، فهما من يجب أن يثبت البراءة ويقوّض ادعاءات الضحية.

ولنا في قضية مدير صندوق النقد الدولي السابق DSK، وفي “الداعية الإسلامي” طارق رمضان أكثر من درس ومعنى، رغم الاختلاف الكبير في عدد الضحايا وفي الأسلوب الإجرامي بين تلكم القضايا والأفعال المنسوبة لناشر أخبار اليوم السابق. ففي القضية الأولى، كانت الضحية واحدة والجريمة واحدة، لكن الردع القانوني الأمريكي كان أشد حزما وصرامة، رغم تباين المراكز القانونية والاجتماعية بين الضحيــــة والمشتبه فيه، فالأولى خادمة فندق والثاني كان مديرا لصندوق النقد الدولي والمرشح الأوفر حظا للانتخابات الرئاسية الفرنسية السابقة باسم اليسار.

وفي القضية الثانية، كان المشتبه فيه شخصية معروفة إعلاميا وأكاديميا، وتتعدى كتاباته حدود فرنسا والعالم العربي والإسلامي، بيد أن الضحايا لم يكن يعلم بهن أحد قبل اندلاع واقعة “الجنس الحلال”، ومع ذلك اصطف الجميع إلى جانب تطبيق القانون، ولم يزايد أحد على الضحايا، ولم يتذرع بقلم المتورط، ولم يخاصم أحد في القضاة، ولم ينسل من الجمع أي صحفي يدعي أنه لن يصالح هتلر، في إماءة لنظرية المؤامرة التي يزعمون أنها انسلت إلى أريكة توفيق بوعشرين وهيّجت جوارح الجاني وأعضائه التناسلية.

فكفانا عبثا، إذ يعلم الجميع أن إنكار توفيق بوعشرين لما توثقه التسجيلات السمعية البصرية من جرائم الاستغلال الجنسي والاغتصاب المتعدد إنما كان مناورة دفاعية، وليس اقتناعا راسخا بالبراءة. ولمن يشكك في هذا الجزم اليقين، يكفيه أن يقرأ أبعاد تراجع المحاميان عبد اللطيف بوعشرين وعبد الصمد الإدريسي من هيئة دفاع المتهم، بعدما دافع الأول عن طرح الرضائية كمخرج للورطة القانونية للمتهم، وهو ما رفضه بشدة توفيق بوعشرين، بينما انصرف الثاني في هدوء بعدما أصر المتهم على الإنكار الممنهج، لأنه كان يخشى من أن يستخدم اعترافه في نقيض قصده، أي في اتجاه تشديد العقوبة وليس تخفيفها.

وكفانا مزايدة، إذ يدرك الجميع أن النساء اللواتي قررن تقديم شكاياتهن بعد استدعائهن أمام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، لم يكن تحت ضغط الشرطة، لأن الجميع يعلم بأن مكاتب الشرطة القضائية ليست أقبية ولا غرفا في رواية جورج أورويل، وإنما لأن هؤلاء النساء أحسسن بالغدر والطعن من خلف الخاصرة ممن كان يستقبلهن في مكتبه كرئيس أو زميل في المهنة، بينما كاميراته تتلصص على أجسادهن وقبلاتهن سواء العرضية أو المرغوم عليها.

وكفانا نفاقا، فالكل يعلم علم اليقين بأن عفاف برناني لم يتم إرغامها على توريط توفيق بوعشرين، بل تم إرغامها على تبرئته مقابل إغواءات المال والمنصب الجديد، وأنه تم “نفيها” نحو تونس مرورا بباريس، من طرف جهات يعرفها سليمان الريسوني وزوجته جيدا، بدليل أن من دفع ثمن سيارة الأجرة التي أقلت عفاف نحو المطار هي سيدة قريبة جدا ممن يرفض المصالحة المجازية مع هتلر، بل إنها انتحلت صفة صحافية بجريدة يسارية معروفة. كما أن الجميع يعرف أيضا من اقتاد عفاف برناني إلى منفاها الطوعي، ومن قام بصرف نفقات السفر والإعاشة بالمطار، ومن يتولى حاليا التوظيف مقابل الصمت والتطبيع مع جرائم المتهم.. فكفانا عبثا وكفانا من الكذب.

و”الشذوذ الأخلاقي”، الذي يتحدث عنه الزميل سليمان الريسوني، لا يتسَّجم في التطبيع مع اعتقال توفيق بوعشرين، بل يتجسد في التطبيع مع جرائمه الجنسية والدفاع عن براءته الزائفة والمزعومة، متذرعا بانطباعات عن الظلم يستوحيها من مؤلفات الفكر الماركسي والاشتراكي، بيد أن من تلظّى حقيقة بالظلم إنما أولئك النساء اللائي رزحن تحت الإكراه، وتقبلن على مضض امتصاص تعفن بنان أرجل المتهم فوق أريكة العار.

وفي الأخير، فإن من يزعم سليمان الريسوني بأن السلطة قادتها كرها نحو المحكمة من منزلها، وتم حشرها عنوة في خانة المشتكيات، فإنما عليه أن يخجل من نفسه، لأن مصالحة هتلر مجازا هي أهون من الضحك على ذقون الناس عبر مزاعم مفضوحة في الواقع، إذ أن من تختبئ في صندوق سيارة، ومن تقطع على نفسها الماء والكهرباء، ممعنة في عدم تنوير العدالة في قضية جنائية، لا يمكن أن تكون ضحية بقدر ما هي شريكة في جرائم الاتجار بالبشر والوساطة في القوادة والبغاء.. واسم الوسيطة سيكون موضوع مقالات لاحقة.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *