20:01 - 24 يونيو 2018

ملف الأسبوع: الوضع العربي المأزوم والحاجة إلى إحياء الاتحاد المغاربي

برلمان.كوم- لحسن بوشمامة

يعيش العالم العربي أوضاعا مأساوية غير مسبوقة، سمتها الأساسية التشرذم والتفرقة التي أصبحت واقعا ملموسا نسف كل شعارات الوحدة والأخوة، فأصبحت العديد من البلدان العربية ساحة لحروب أهلية خلفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى، بعد أن هبت عواصف ما اصطلح عليه بالربيع العربي الذي قوض أركان الدولة المركزية بكل من سوريا وليبيا واليمن، ناهيك عن ما يعيشه العراق منذ اجتياح الجيش الأمريكي لبغداد سنة 2003 وإسقاط نظام الراحل صدام حسين.

في ظل هذا الوضع العربي المأزوم، والذي يصعب معالجته على المدى القريب، أصبحت الحاجة ماسة لتشكيل اتحادات إقليمية، تكون قادرة على توفير إطار مؤسساتي تنتظم فيه مجهودات دول توحدها القواسم المشتركة مجاليا وبشريا وتاريخيا.

وإذا كانت بعض هذه الاتحادات الإقليمية قد أصابها ما أصاب العالم العربي برمته، ودخلت في أزمة عميقة وإن اختلفت السياقات والأزمنة المرتبطة بأسباب ومسببات الخلافات التي عطلت عملها وفرملت حركة مسارها الوحدوي كما هو الشأن للإتحاد المغاربي والوحدة المصرية السودانية والعراق وسوريا وآخرها منظمة التعاون الخليجي، فقد ظهرت على السطح مؤشرات إيجابية بمنطقة شمال إفريقيا، أهمها بروز وعي جماعي للشعوب المغاربية يدفع نحو الوحدة بين بلدانها تحت سقف الإتحاد المغاربي، الذي خرج إلى الوجود سنة 1989 بمدينة مراكش ودخل في غيبوبة عطلت مؤسساته بسبب إصرار النظام الجزائري على معاداة الوحدة الترابية للمغرب، واحتضانه ودعمه لجبهة البوليساريو الإنفصالية.

ما يعزز إعادة إحياء الإتحاد المغاربي في الوقت الراهن أكثر بكثير مما توفر سابقا سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي، ومن أهم هذه العناصر الداخلية انتقال مطلب الوحدة المغاربية من النطاق الضيق للنخب السياسية والفعاليات المدنية إلى نطاق أوسع، يتمثل أولا في قاعدة جماهيرية واسعة باتت تضغط في اتجاه وأد التفرقة، وترنو إلى إعادة تأسيس إتحاد المغرب الكبير على أسس متينة، وثانيا  استحالة تحقيق الحكومات لتطلعات شعوبها وتلبية مطالب تحسين ظروف عيشها بدون وجود تكتل إقليمي، يضمن بناء النموذج التنموي القطري في إطار التكامل الاقتصادي والاجتماعي والتنسيق السياسي والأمني بين مكونات هذا الاتحاد الإقليمي.

أما على المستوى الخارجي فإن انسداد أفق الوحدة العربية وانشغال الاتحاد الأوروبي بمشاكله الداخلية، وتحول بوصلته من المنطقة الأورومتوسطية نحو دول أوروبا الشرقية هو ما يفرض وبإلحاح على حكومات بلدان المغرب الكبير تجاوز خلافاتها والارتقاء إلى مستوى متطلبات المرحلة الراهنة التي لا تقبل بالتفرقة، وتحتم عليها التكتل لتحقيق رهانات التنمية والأمن.

هذا من جهة أما من جهة أخرى فإن الوضع المتقلب بالساحل والصحراء والتي تحولت في السنوات الأخيرة إلى بؤرة للإرهاب بعد أن تمكنت القاعدة وداعش من بناء أوكار لها بهذه المنطقة، صار بدوره يلزم صناع القرار بالدول المغاربية بنقل التنسيق الأمني إلى مستوى التعاون الوثيق ليس على قاعدة وضع وتنفيذ الخطط الأمنية لمجابهة الارهاب والتصدي للجرائم المنظمة العابرة للحدود فحسب، وإنما في إطار مقاربة أشمل ترتكز على استراتيجية تنموية تعتمد على التكامل بين الموارد الطبيعية والرأسمال البشري على الصعيد المغاربي، بما يضمن الإقلاع الإقتصادي وخلق مزيد من الثروات، وربط المنطقة بعمقها الإفريقي باعتبارها أي المنطقة المغاربية بوابة العالم وجسره للعبور نحو إفريقيا.

كل متطلبات الوحدة المغاربية قائمة بمنطق التاريخ والجغرافيا، وبما هو متاح من ثروات وموارد، ولن تحتاج الحكومات إلى بذل جهود كبيرة من أجل استثمارها وتوظيفها بهدف الإقلاع وجعل المنطقة نقطة جذب للإستثمارات الكبرى، وتأهيلها لتكون فاعلة على المستوى القاري والدولي.  ما تحتاجه حكومات وأنظمة أقطار المغرب الكبير هو الجنوح نحو العقلانية وعدم هدر الزمن السياسي، لأنها ستكون تحت الضغط الشعبي الذي تؤكد كل المعطيات الميدانية والمؤشرات بأن الشعوب المغاربية ما عاد يخالجها الشك في أنها شعب واحد، بهوية تاريخية تشكلت عبر قرون، وما عادت تقبل بتعطيل الإتحاد المغاربي، وهي على اطلاع ووعي تام بأن المغرب الكبير قادر على إخراج الأجيال الحالية والأجيال القادمة من الوضع المأزوم الراهن إلى بحبوحة العيش، بما يتوفر عليه من  الثروات الطبيعية المتنوعة بين الموارد الطاقية والمعدنية والإمكانيات الفلاحية إضافة إلى أهمية الرأسمال البشري الذي يمثل فيه الشباب القاعدة العريضة للهرم السكاني.

بهذه الشروط الذاتية والموضوعية المتوفرة يمكن للحكومات أن تترجم رغبة النخب وطموح الشعوب للعيش في كنف الإتحاد المغاربي، والاحتماء تحت سقفه من تداعيات التشرذم العربي والحروب التجارية التي اندلعت مؤخرا بين الدول الكبرى الساعية إلى فرض استدامة هيمنتها على ثروات ومقدرات دول العالم الثالث، والأكيد أن المنطقة المغاربية قد دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها البارز الإنتقال من شعار الوحدة إلى الوعي الجماعي والمشترك بين النخب والشعوب للضغط على الحكومات من أجل ترجمة الحلم إلى حقيقة.