14:00 - 10 يونيو 2018

ملف الأسبوع: حكم الشرع والقانون في الخيانة الزوجية بين التحريم والعقوبات الجنائية

برلمان.كوم

تعتبر الخيانة الزوجية من الظواهر التي باتت تنخر بعض الأسر المغربية وتؤدي بها إلى المحاكم والسجون، حيث أن القصص التي تتوارد بشكل شبه يومي تؤكد على أن الظاهرة باتت منتشرة في مناطق المغرب بدون استثناء، وذلك راجع لعوامل وأسباب بين الطرفين، فقد تكون هذه العوامل اقتصادية أو عاطفية أو تواصلية أو نفسية تؤثر بشكل سلبي على العلاقة بين الزوجين وتؤدي إلى لجوء أحدهما أو كلاهما للخيانة، ليقعا في هذا البئر تحت ضغوط دون الانتباه لحجم الخطأ الذي يسقط فيه أحدهما أو كلاهما.

وتشير دراسات اجتماعية ونفسية إلى أن من أهم الأسباب التي تؤدي للخيانة تلك المرتبطة بضعف الاهتمام بالزوجة أو بالزوج، ثم انعدام الثقة بين الزوجين خاصة في مراحل التقدم في العمر حيث يبدأ الطرفان بفقدان الحيوية التي كانت تميزهما في الفترات العمرية السابقة، بالإضافة إلى أن الخيانة في حد ذاتها قد تؤدي لخيانة معاكسة، إذ أن المرأة إذا رأت زوجها يخونها قد تضطر إلى رد الشيء بالشيء ذاته وتلجأ للخيانة انتقاما لنفسها، ناهيك عن أسباب أخرى ترتبط بماضي أحد الزوجين الذي قد يكون فيه أحدهما مرتبطا بشخص آخر فيظهر ذاك الشخص مما يؤدي إلى التفكك بين الزوجين.

إن مفهوم الخيانة الزوجية المنتشر بين الناس حالياً هو مفهوم قاصر، فالمفهوم الخاطئ المنتشر بين الناس يعتبر أن الخيانة الزوجية هي المقتصرة على الزنا أو علاقة الزنا بين الزوج أو الزوجة وشخص أجنبي أو امرأة أجنبية، أي إنهم لا يتصورون الخيانة إلا في شكلها المادي القائم على علاقة جنسية بين زوج وامرأة أجنبية أو زوجة ورجل أجنبي، غير أن مفهوم الخيانة الزوجية يشمل كل علاقة غير مشروعة تنشأ بين الزوج وامرأة أخرى غير زوجته أو العكس، فهي تعتبر علاقة محرمة سواء بلغت حد الزنا أو لم تبلغ، بما فيها أحاديث الهاتف التي فيها نوع من الاستمتاع وتضييع الوقت بل حتى الكلام العابر واللقاءات التي تجري على سبيل العشق والغرام.

والخيانة كفعل قاس يصل إلى تجريمه في مختلف دول العالم، نقاربه كظاهرة لها أسباب اجتماعية ونفسية، غير أن الوقوع في هذا الفعل يجعلنا في مجتمعنا المغربي الإسلامي نحاول ملامستها من الناحية الشرعية والقانونية، من خلال النظر إلى الأحكام الشرعية والوضعية في هذا الجانب.

فديننا الحنيف لم يترك أي قضية كونية إلا وأحاط بها وقدم لها حلولا وأحكاما تحدد صوابها من خطئها، ووجوب القيام بها من الاكتفاء، بحيث أن الفقهاء في العالم العربي وبإجماعهم، اعتبروا أن الخيانة إذا كانت عن طريق إقامة علاقة غير شرعية مع طرف ثالث خارج العلاقة الزوجية ووصلت لدرك الزنا والممارسة الجنسية، فإن الشرع واضح في هذه المسألة يقضي بعقوبة الزاني، فالمرأة إذا خانت زوجها يقام عليها الرجم كونها محصنة تأخذ كل حقوقها الشرعية من زوجها، وكما أن الشرع يعتبر أن حب المرأة لغير زوجها تعتبر من أكبر المحرمات وكبيرة من الكبائر وإحدى السبع الموبقات.

كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد بين في معنى الحديث الشريف أن “آيات المنافق أوضح من بينها أنه إذا أؤتمن خان”، بغض النظر عن نوع هذه الخيانة.

ويوضح بعض الفقهاء أن الخيانة الزوجية قد يكون مبررها أحيانا أن الزوج لا يستطيع أن يعطي المرأة حقها أو المرأة لا توفر لزوجها ما يحتاجه في حدود الشرع، غير أن العلماء في الدين يؤكدون أن هذا ليس بمبرر وأن الطب أحدث لفحص ضعف أحد الطرفين، وأنهما إذا ما طلبا الطلاق بسبب مرض أو علة لكان أشرف من الخيانة.

وأما على المستوى القانوني، فإن الخيانة تعد جريمة مثل باقي الجرائم، وبذلك لابد من ثبوت الجريمة وأن تتوافر بها جميع الأركان التي تؤكد حدوثها، كأداة الجريمة، أو وضع التلبس أو الأحاديث الهاتفية المسجلة، أي لا بد من توافر دليل مادي وقوي للتأكيد على حدوث تلك الفعلة المشينة. وإذا تم التأكد من تلك الجريمة فتختلف الأحكام، من حيث إذا ما كانت الخيانة في مرحلة الكلام والمحادثات فقط أم وصلت إلى حد الزنا.

وفي القانون الجنائي المغربي، فإن جريمة الخيانة الزوجية تدخل في الفرع السادس من الباب الثامن من القانون الجنائي المخصص لجرائم انتهاك الآداب، حيث أن المغرب وباعتباره دولة إسلامية فقد حرص على محاربتها بنصوص خاصة في القانون الجنائي المغربي، إذ ينص الفصل 491 من القانون الجنائي المغربي على أنه “يعاقب بالحبس من سنة إلى سنتين أحد الزوجين الذي يرتكب الخيانة الزوجية، ولا تجوز المتابعة في هذه الحالة إلا بناء على شكوى من الزوجة أو الزوج المجني عليه”، ويضيف ذات الفصل من هذا النص “غير أنه في حالة غياب أحد الزوجين خارج تراب المملكة المغربية فإنه يمكن للنيابة العامة أن تقوم تلقائيا بمتابعة الزوج الآخر الذي يتعاطى الخيانة الزوجية بصفة ظاهرة”.

ولمحاكمة الجاني في الخيانة الزوجية يحتاج المشرع لأدلة تكشف عنها المادة 493 من القانون الجنائي والتي تقول إن: “الجرائم المعاقب عليها في الفصلين 490 و491 لا تثبت إلا بناء على محضر رسمي يحرره أحد ضباط الشرطة القضائي في حالة التلبس، أو بناء على اعتراف تضمنته مكاتب أو أوراق صادرة عن المتهم أو اعتراف قضائي”، بحيث أن المشرع في الفصل 490 يؤكد على أن “كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة”.

ولقد حاولنا استقراء وتحليل جريمة الخيانة الزوجية فقها وقانونا، مزاوجين في ذلك بين جهد الفقهاء الأجلاء، وآراء الباحثين القانونيين، لعله تتضح لنا الصورة ويزول الغموض وتتلاشى الشوائب، بحيث أن الأسرة تعتبر هي الخلية الأساسية في بناء كل مجتمع، وأن أي مساس بها سواء كان من داخلها أو من خارجها يعبر عن مساس بالمجتمع، ولهذا تعد جريمة الخيانة الزوجية من أخطر المعضلات الاجتماعية التي يعاني منها المجتمع والتي يجب على المشرع التعامل معها بصرامة أكثر.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *