15:00 - 19 مايو 2018

ملف الأسبوع: لماذا تغيب ثقافة الإستقالة عند قادة الأحزاب السياسية بالمغرب

برلمان.كوم-لحسن بوشمامة

قد تختلف جل الأحزاب السياسية المغربية على مستوى هندسة بنياتها التنظيمية، وتوجهاتها الفكرية والسياسية، غير أن القاسم المشترك بينها هو ضعف إن لم نقل غياب الديمقراطية الداخلية، بالإضافة إلى ظاهرة تبقى ملازمة لها، تتجلى في تشبث قادة هذه الأحزاب وأمنائها العامين بالبقاء على رأسها كيفما كانت حصيلة أدائهم، وكيفما كان وضعهم الصحي وقدرتهم على أداء المهام المنوطة بهم.

بعض الباحثين الذين قاموا بدراسة هذه الظاهرة، توصلوا إلى خلاصة أساسية ومهمة مفادها أن الأحزاب السياسية المغربية لم تتخلص بعد من المنطق التقليدي الذي كانت تشتغل به الزوايا الدينية، ولذلك تغيب آليات وميكانيزمات الممارسة السياسية القائمة على تدبير الاختلاف في  المواقف وصولا إلى وحدة القرارات الملزمة، ومرد ذلك  سيادة علاقات الولاءات، وتغليب المصالح والمنافع الشخصية على المبادئ والقيم التي من المفترض أن تؤطر العمل الحزبي والفعل السياسي.

وعلى هذا الأساس فالعلاقة بين الزعيم أو الأمين العام للحزب وبين أطره وقواعده هي ذات العلاقة بين الشيخ والمريد التي تؤطر فضاء الزاوية، ولذلك فالزعيم والقائد السياسي  يجد نفسه محاطا بهالة تنظيمية تبدأ من الدائرة الصغيرة للمقربين منه وصولا إلى آخر حلقة في التنظيم، وهذه الحلقات هي التي تضفي عليه مهابة كبيرة قد تصل إلى مستوى التمجيد والتقديس.

حفيظ الزهري المحلل السياسي والباحث في الدراسات والعلوم السياسية يرى من زاوية أخرى، أن “الأحزاب السياسية في المغرب تعيش حالة مفرطة من الشيخوخة على مستوى قياداتها وهذا راجع بالأساس لغياب ثقافة الديمقراطية وتداول النخب، وبالتالي تعيش أغلب هذه المؤسسات الوسائطية ممارسات ديكتاتورية لا علاقة لها بتقدم القوانين والتشريعات في المملكة”.

هذه الوضعية غير المستقيمة التي تعرفها جل الأحزاب المغربية، يؤكد الزهري، تقودنا إلى طرح التساؤل التالي، لماذا تغيب ثقافة الإستقالة لدى قادة هذه الأحزاب السياسية؟  فهؤلاء القادة لا ينزلون من فوق كراسي المسؤولية إلا إذا غيبهم الموت، أو أزيحوا بمنطق الانقلابات، مشيرا إلى أن “العديد من القيادات الحزبية والنقابية حولت هذه المؤسسات لشبه مقاولات عائلية قابلة للتوريث”.

ولتوضيح الأسباب الكامنة من وراء هذا الانزياح عن الدور الحقيقي الذي ينبغي أن تضطلع به الأحزاب السياسية، أشار  المحلل والباحث حفيظ الزهري قائلا “لقد تحولت القيادات من مفهوم الزعيم المدافع عن مصالح المواطن المغربي إلى رئيس لمقاولة سياسية ريعية، يراد منها تحقيق الربح المادي عبر توزيع المكاسب على المقربين والمريدين، سياسة جعلت الأحزاب والنقابات تعيش حالة من العزلة وتقزيم لقاعدتها الجماهيرية لتصبح مجرد ديكورات انتخابية لا أقل ولا أكثر”.

ويضيف الزهري “هذا الواقع المزري الذي وصلت إليه هذه المؤسسات الوسائطية ساهم فيه غياب الديمقراطية الداخلية وطغيان الأساليب البيروقراطية في جميع هياكلها وقراراتها مما ينتج عنها صعوبة فى تداول النخب وهذا ما جعل نسبة كبيرة من الشباب يعرف نفورا عن الممارسة الحزبية”.

وإذا كانت الأحزاب السياسية اليوم في وضعية حرجة بالنظر إلى اتساع الهوة بينها وبين المواطنين، وعجزها عن تجديد نخبها ودمقرطة طرق تدبيرها بما تقتضيه الحكامة الرشيدة، فإن سبل تجاوز هذه الوضعية، والخروج من الأعطاب التي شلت دور الأحزاب وأدت إلى خفوت صوتها تكمن في أهمية تدوير النخب على مستوى القيادة، والإنتقال من مفهوم الزعيم الخالد إلى مفهوم القائد المجدد، وعلى قادة الأحزاب المغربية أن يتعلموا من نظرائهم في الدول الغربية كيف يسارعون إلى تقديم استقالاتهم كلما تراجعت نتائج أحزابهم الانتخابية، ليفسحوا المجال أمام غيرهم، ولذلك يمكن القول بأن ثقافة الاستقالة عند هؤلاء لا ينظر إليها كمعطى سلبي يربط الفشل بصاحبها، وإنما ينظر إليها بشكل إيجابي باعتبارها شجاعة سياسية وتقديرا للمسؤولية.

ويرى حفيظ الزهري في هذا الخصوص بأن “المشهد السياسي المغربي أصبح في حاجة ماسة وضرورية لقوانين صارمة لمنع مثل هذه الممارسات اللاديمقراطية داخل هذه المؤسسات الوسائطية، وترسيخ ثقافة ديمقراطية يكون عمادها تداول النخب، وفتح المجال أمام الشباب لتحمل المسؤولية، وذلك عبر إعادة النظر في القانون التنظيمي الأحزاب السياسية بما يضمن التنصيص صراحة على التقيد الملزم بولايتين لا ثالث لهما على رأس الأمانة العامة للأحزاب ، وتشديد الرقابة والمحاسبة بخصوص التدبير المالي لميزانياتها ، وتفعيل المساءلة والمحاسبة لزجر الاختلالات .

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *