د. حمدي أعمر حداد 14:09 - 12 أبريل 2018

السيلفي المغربي – السعودي – اللبناني بباريس …. سياسة وتحالفات

ظهر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مؤخرا، كشخصية محورية في المنطقة العربية والأكثر تأثيرا في الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط منذ انتخاب الرئيس دونالد ترامب، وهو يلقي بالإشارة تلو الأخرى من خلال العديد من الصور التي توثق زياراته المتتالية لكل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وبهذه الصور يمتد حضور بن سلمان إلى المغرب العربي ومن وسط العاصمة المؤثرة في هذه المنطقة باريس.

ولعل أبرز صورة تهم المتابعين في المغرب العربي، هي السيلفي الذي يجمع ملك المغرب محمد السادس وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء اللبناني الشيخ سعد الحريري، والذي جاء في وقت مهم لثلاثتهم.

سعد الدين الحريري من خلال هذا السيلفي يبعث برسالة قوية للناخب اللبناني بأنه لازال رجل السعودية في لبنان؛ في حين كان الراحل الشهيد رفيق الحرير يفضل عبارة: رجل لبنان في السعودية؛ وذلك في أفق الانتخابات التشريعية التي سيشهدها لبنان يوم 6 ماي 2018، فبعد الاستقالة المفاجأة التي بثها انطلاقا من السعودية والأنباء المتضاربة حول أسبابها وحول اعتقاله بالرياض على خلفيات حملة محاربة الفساد (وقد رددت بعض المصادر الإعلامية التي تؤدي كلها إلى الدوحة، بأنه تعرض للتعنيف خلال هذه الفترة)، وبعد تشتت الصوت السني وعودة بارزة للأسر السنية التقليدية: آل كرامي، آل ميقاتي من خلال “جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية” التي تنافس مؤسسة الحريري في الأعمال الاجتماعية المخصصة أساسا لإستقطاب الطائفة السنية، والبروز القوي لمحمد الصفدي بطرابلس والذي انطلق هو ايضا من السعودية والذي يترأس “مؤسسة الصفدي التنموية” المنافس الآخر على استقطاب الطائفة، بالاضافة إلى آلية التصويت النسبي التي ستؤدي لتشتت الصوت السني بشكل كبير؛ خاصة في بيروت مع عدم توحد السنة في بيروت هذه المرة، وضعف مشاركة السنة المتوقع، وهو ما من شأنه أن يؤدي لخسارة الحريري للعديد من المقاعد في طرابلس عاصمة الشمال وبيروت وصيدا، وذلك بسبب كل ما يتم تداوله عن تخلي السعودية عن الشيخ سعد وبحثها عن بديل سني، أو أن السعودية تبحث عن زعيم قريب من السنة، والحديث يدور حول شخص الحكيم سمير جعجع من القوات اللبنانية او وليد جنبلاط زعيم التقدم الاشتراكي أحد أهم أحزاب اللقاء الديمقراطي الذي تردد كثيرا في الفترة الأخيرة على السعودية.

كما يعاني سعد الدين الحريري من غياب تحالفات واضحة لتيار المستقبل الذي يتزعمه منذ انتخاب الرئيس العماد ميشيل عون المنتمي لتيار 8 آذار، وهو ما ظهر جليا خلال الاجتماع الأخير الذي جمع قيادة تيار 14 آذار (الحريري بجعجع وجنبلاط) بوساطة من المبعوث السعودي نزار العلولا ببيروت، حيث قرروا أن يستمر كل حزب في تحالفاته بالمناطق على ان يقرروا في التحالف الحكومي فيما بعد الانتخابات المقبلة، ولعل التحالف الوحيد الذي حصل عليه الحريري هو تأكيد رئيس مجلس النواب نبيه بري بأنه سوف يسمي الحريري رئيسا للحكومة خلال الاستشارات الملزمة بعد الانتخابات.

وبالتالي فالحريري حين كتب عبارة: “لا تعليق” على تغريدته بالصورة الثلاثية، فهو كان يوجه رسالة قوية للداخل اللبناني لرفقائه السياسيين وأصواته السنية على الخصوص، كما أنه يطمئن الأسواق على وضعه الاقتصادي والمالي بخصوص استثماراته المالية من خلال “سعودي أوجيه”.

بخصوص المغرب، فقد جاءت هذه الصورة لتنفي بشكل قاطع كل ماتردد مؤخرا حول الوضع الصحي للملك، بدرجة أولى، كما أن الصورة مثلت إلى حد ما نفيا لما يروج حول الأزمة الصامتة بين الرياض والرباط (خصوصا ما يتعلق بالموقف السعودي من تنظيم المغرب لكأس العالم 2026، وهو ما عبر عنه آل الشيخ اذي عينه الملك سلمان مؤخر باقتراح من ولي العهد محمد عضوا بمجلس إدارة الهيئة العامة للثقافة).

فالمغرب يعرف اليوم أن الطريق إلى إدارة ترامب تمر حتما عبر الرياض، وأن حضور بصمات ولي العهد السعودي داخل دواليب الإدارة الأمريكية الحالية ظاهر للعيان، فليس سهلا أن يغير الرئيس الأمريكي وزير خارجيته والمدير التنفيذي السابق لأحدى كبريات كارتلات النفط (إيكسون موبيل) من أجل دولة أخرى، وليس من السهل أن تربط الولايات المتحدة انسحابها من الأراضي السورية بإّرادة دولة أخرى / السعودية. كما أن عودة أصدقاء السعودية من المحافظين الجدد الذين برزوا بشكل كبير خلال ولاية الرئيس جورج وولكر بوش/ الإبن مثل جون بولتون الصديق الحميم لجبهة البوليساريو والذي أصبح مستشارا للأمن القومي، يدفع المغرب للإعتماد بشكل كبير على السعودية في ملف الصحراء.

وبخصوص الخلاف الخليجي بين قطر والسعودية وموقف المغرب منها، فإن الموقف الوسطي للملكة كان بهدف لعب دور الوساطة ومحاولة تقريب وجهات النظر بين الإخوة الأعداء، لكن تطورات الأحداث تبرز أن قطر تخسر بشكل كبير وسريع داعميها في واشنطن وباريس (وهنا تتبادر إلى الأذهان صورة بن سلمان معانقا ماكرون الذي سبق وان انتقد الدور السعودي في اليمن مرارا وتكرارا).
فالتواجد المغربي بمراكز القرار داخل الادارة الأمريكية شهد تراجعا كبيرا منذ الولاية الثانية للرئيس جورج وولكر بوش، حينما سيطر المحافظون الجدد على الكونغريس الأمريكي، وتعززت جبهتهم ببولتون ومجموعة معهد هيوستن الذي انشأه جيمس بيكر الثالث وزير الخارجة الأسبق والمبعوث الأممي للصحراء، كما تراجعت ظاهرة الرسائل المؤيدة للمغرب التي يوقعها أعضاء الكونغرس من الحزبين ويوجهونها لوزارة الخارجية أو البيت الأبيض، وكان للدعم الذي وجهه المغرب للمرشحة الديمقراطية “هيلاري رودهام كلينتون”؛ والتي طالب المرشح ترامب بالتحقيق فبها خلال الحملة الانتخابية؛ بالغ الأثر في حالة الجفاء الصامتة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية.

وكانت العلاقات الأمريكية – المغربية قد شهدت سابقة من هذا القبيل تدخلت العربية السعودية فيها بكل ثقلها، جميعنا نتذكر انه في سنة 2002 خلال ولاية الرئيس جورج وولكر بوش الأولى كانت الإدارة الأمريكية من أبرز الداعمين لحق تقرير المصير بالصحراء ونزلت بثقلها خلف المبعوث الأممي جيمس بيكر، وهو ما دفع المغرب لإستنفار كافة جهوده للوقوف في وجه هذا التوجه الذي كان يمثل دعما قويا لبيكر في تصوره للحل السياسي لقضية الصحراء والذي كان يراه منتهيا بالضرورة بتقرير المصير.

وفي نفس الوقت كانت العربية السعودية تعاني من تداعيات هجمات 11 شتنبر الارهابية، فكانت زيارة ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز للمغرب حيث استقبل الكاتب الأمريكي “توماس فريدمان” وأطلعه على فكرة مبادرة السلام العربية التي تم اقرارها فيما بعد في قمة بيروت، وقد زار بعدها الولايات المتحدة انطلاقا من المغرب وعقد قمة مع رئيسها في مزرعة كراوفورد، في ذات الفترة التي كان فيها العاهل المغربي في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية وتم استقباله خلالها ببيت الرئيس الأسبق “جورج هيربرت بوش” الأب، وكان للسعودية دور كبير في انجاح هذه الزيارة التي تغير بعدها الموقف الأمريكي تدريجيا من قضية الصحراء، خاصة بعد توقيع اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، كما كان تأثير دول الخليج وبالأخص السعودية كبيرا في الفترة التي واجه فيها المغرب المطالب الأمريكية بتوسيع مهام المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الانسان، كما كان لها دور كبير في فترة الصراع المسلح ضد جبهة البوليساريو وساهمت في بناء الجدار الرملي على طول خط وقف اطلاق النار الحالي.

وبالتالي فإن اختزال العلاقات السعودية المغربية في مسألة ترشيح المغرب لتنظيم كأس العالم 2026 يعد تحليلا قاصرا لعمق العلاقات بين البلدين والمملكتين التين واجهتا معا الربيع العربي وآثاره في المنطقة، وليست حرب اليمن آخرها.

فالصورة بين ولي العهد السعودي وحليفيه الملك محمد السادس ورئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري هي استمرار للصور التي ظهر من خلالها بن سلمان كشخص وفي لحلفائه التقليديين، مثل الصورة التي جمعته بالرئيسين جورج بوش الأب والإبن وجيمس بيكر (الشخص الأقرب لجون بولتون)، وصوره رفقة عدد من المسؤولين الأمريكيين السابقين الذين كانوا أصدقاء للسعودية، وهي إشارة إلى أنه قد يحدث خلاف بين السعودية وحلفائها لكنهم يبقون حلفاء وأصدقاء.

باحث في العلاقات الدولية
جتمعة محمد الخامس – الرباط


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *