الدكتور الشيخ بوسعيد 13:40 - 11 مايو 2018

المقاطعة..أسلوب راقي عبرت عنه شريحة واسعة من الشعب  للاحتجاج على إرتفاع الأسعار و غلاء المعيشة

تعتبر “المقاطعة” ليست خيارا شعبي جديدا،فهي أسلوب قديم جديد، و الأمثلة على مر العصور و الحقب التاريخية عديدة، و قد كانت في غالب الأحيان سلاح الطغاة ضد المستضعفين من العباد ، بدءا من مقاطعة قريش للنبي امحمد عليه الصلاة والسلام، والتي كانت تهدف الى ثنيه صلى الله عليه وسلم عن تبليغ دعوته المحمدية، مرورا  بالعصر الحديث، كمقاطعة الولايات المتحدة الأمريكية لنظام “فيديل كاسترو” الشيوعي في كوبا، و ذلك من اجل تضيبق الخناق عليه، و دفعه الى الانصياع للمعسكر “الغربي” برئاسة امريكا آنذاك، حيث سيتطور اسلوب المقاطعة و ياخذ اشكالا اخرى متطورة “أفقية و عمودية “من طرف نقابات العمال بدول امريكا اللاتينية المعروفة بامتداداتها الشعبية القوية، وصولا الى المقاطعة الخليجية الراهنة لدولة قطر ، حيث اصبح مفهوم المقاطعة ياخذ اشكالا و ابعادا متنوعةاخرى بفضل تطور وسائل التكنولوجيا الحديثة(سياسية،اجتماعية،اقتصادية و ثقافية..، اضف الى ذلك المقاطعة الهندية للاستعمار البريطاني بقيادة الزعيم الراحل غاندي، ثم ايضا المقاطعة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي و رفضهم التعامل التجاري في البداية مع الصهاينة، و ذلك من اجل تجهيز جهود بناء لائحة إتهام ضد سلطات الاحتلال بشكل قانوني يبرز جرائم الاحتلال و إنتهاكاته للقانون الدولي الإنساني، و أيضا نزع الشرعية عن وجوده .  

منذ اسابيع ماضية قليلة، استعمل مجموعة من  النشطاء المغاربة خيار المقاطعة مؤخرا عبر منصات التواصل، لإطلاق حملة في المغرب لمقاطعة بعض السلع الإستهلاكية احتجاجا على غلاء المعيشة و ارتفاع أسعار .

 و اعتبرت عدة وسائل اعلام مغربية و دولية ان حملة المقاطعة نجحت ، فيما وجهت بعض الصحف الوطنية انتقادات لاذعة للحكومة بسبب ادائها السلبي في الازمة ، و هو ما حذا ببعض النواب البرلمانيين الى استفسار الحكومة عن صمتها، و عدم تفاعلها مع حملة المقاطعين التي يخوضها عدد كبير من المغاربة ضد منتجات الحليب، و المياه المعدنية و المحروقات  التابعة لثلاث شركات  (سنطرال؛سيدي علي وشركة إفريقيا-غاز) .

 و قد عبر عدد كبير من البرلمانيين و الاحزاب السياسية و النقابات و الحقوقيبن و الفنانين و فعاليات المجتمع المدني ..، عن استيائهم ازاء تعاطى الحكومة مع حملة المقاطعة، و التي اصبحت تحظى بشعبية واسعة،  و ربما تأخذ أبعادا و انعكاسات اجتماعية خطيرة . و كان مجموعة من البرلمانيين قد صرحوا بداية الاسبوع المنصرم، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، عن رفضهم من اطلاق وزير المالية محمد بوسعيد، وصف”المداويخ”على المشاركين في حملة المقاطعة في جلسة برلمانية سابقة ، وللإشارة، تشمل حملة المقاطعة التي انطلقت من خلال وسائل التواصل الاجتماعي منذ اسابيع ماضية قليلة، منتجات ثلاث شركات هي : شركة” افريقيا” لتوزيع الغاز و الوقود، و شركة “سيدي علي” المصنعة و الموزعة للمياة المعدنية، و اخيرا شركة “سونطرال دانون” لمنتجات الحليب .

 يمكن القول بان اختيار ثلاث شركات لتكون موضوع المقاطعة ، كان امرا مدروسا سلفا ، او على الاقل وجد المجتمع المغربي مهيأ مسبقا لتنامي و تصاعد نسبة المتعاطفين مع حملة المقاطعة الشعبية، باعتبار ان اصحاب هذه الشركات لهم علاقة مباشرة مع القصر ، و ايضا نتيجة غلاء الاسعار و المعيشة ، و استفحال البطالة والفقر و التهميش، وايضا بشكل مباشر ننيجة لتراكمات لسياسات  سابقة فاشلة ، و ايضا انعدام العدالة الاجتماعية و الحكامة الجيدة.  

  و في نفس السياق، تم ايضا مقاطعة منتوج ثالث تصنعه شركة فرنسية في المغرب – بمعنى اخر – ان في هذا رسالة  صريحة و واضحة الى لوبي الشركات الفرنسية، و التي يتعامل اصحابها مع المستهلك المغربي على أنه “تابع” و “مفعول به”  (  علاقة خضوع وخنوع ) .

 و ختاما ، يمكن الجزم بان اتساع نطاق المقاطعة لتاخذ شعبية واسعة داخل المغرب و خارجه، فهو طريقة حضارية و مثلى و راقية جدا للتعبير عن السخط و الاحتجاج على غلاء المعيشة، و ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية  نتيجة الاحتكار ، و تفشي الفقر و البطالة و التهميش ،و ايضا من اجل لفت أنظار صانع القرار السياسي المغربي الى التجاوب مع شعارات المفاطعة ، فهذه كلها عوامل رئيسية ساهمت في تطور و ازدياد عدد المقاطعين عبر تراب المعمور ،نتيجة التعبئة الاجتماعية المتصاعدة و الرفض الشعبي،  و تنامي الوعي السياسى لدى هذه الطبقة من الشعب المغربي ، و ايضا باعتبار هذا النوع من الاحتجاج، يشكل جيل جديد من وسائل الاحتجاج او التعبير الغير مكلف ماديا 

أو سياسيا، في الوقت الذي تعرضت فيه جل الحركات الاحتجاجية السابقة بالمغرب للردع ، و تم اجهاضها عن طريق العنف المضاد من طرف الاحهزة الامنية للنظام ، و تقديمهم للمحاكمات، و التي تعتبرها اغلب المنظمات الحقوقية الدولية  لا تحترم المعايير المتعارف عليها عالميا.من شروط المحاكمة العادلة ( احداث اكديم ازيك-احداث الحسيمة-احداث جرادة ) ، وذلك في غياب مصالحة حقيقية ما بين الدولة  و الساكنة تؤسس لدولة الحق القانون والقانون في مغرب حداثي يتسع للجميع ، و يقطع مع سياسات الماضي ، و الذي يرى صناع القرار على مستوى المركز في الجهوية الموسعة هي الحل الانسب لذوبان الجليد، و حل جميع الاشكالات المرتبطة بالتنمية السياسية و الإقتصادية , دون وجود ارادة سياسية حقيقية حتى يومنا هذا من طرف الدولة تجاه المواطنين و انعدام الثقة بينهما، الشيء الذي يحكم على جمبع التجارب المبذولة بالفشل و تنامي موجة الغضب الشعبي .

و امام صمت الحكومة الحالية و موقفها السلبي تجاه المقاطعة ، هل سيتم اسقاط حكومة سعد الدين العثماني بسبب تعثر الحوار الاجتماعي و تزايد درجة الاحتقان الاجتماعي، و تأسيس  حكومة وفاق وطني ممثلة بجميع الاحزاب كما يروج حاليا في الاعلام ؟ أم أنها ستبقى مستمرة في تأديةمهامها إلى حين انتهاء ولايتها؟ 

  هذه الأسئلة و غيرها ستجد لها اجوبة حقيقيةفي المستقبل القريب عن طريق الممارسة و الواقع السياسيين .


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *