استمعوا لبرلمان راديو

برلمان.كوم - محمد الخمسي * 9:00 - 24 فبراير 2020

بعض الأزمات المرافقة للعقل الايديولوجي

إن الناظر في بنية المؤسسات الدينية و السياسية من المحيط إلى الخليج، وهي بنيات تعتمد وتحتاج إلى جرعات من الأيديولوجية كي تضمن استمراريتها من جهة، وتوسع من قاعدة داعميها أو المؤمنين لرؤيتها من جهة أخرى، يكتشف أنها تعاني من جملة من أزمات تتفاوت مراتبها وآثارها، ولكن يصعب نفيها أو إخفائها. سنعالج و نرصد اهم مفاصيلها الكبرى وهي وما يترتب عن ذلك من تكلفة ومشاكل على أرض الواقع.
أولها هيمنة الفكر الشمولي، ذلك الفكر الذي يسعى أن يفسر كل شيئ، ابتداء من البعد السياسي وانتهاء بالبعد الاجتماعي مرورا بالبعدين الأساسيين الاجتماعي والثقافي، من خلال نظريته ونصوصه المرجعية، التي يعتبرها تسمو على كل فهم دون فهمه د، ولا تناقش؛ هذا الفكر الشمولي الذي يضعف حاسة النقد والمراجعة داخل المؤسسات السياسية أو الدينية، يحول دون تطورها وانفتاحها و جعلها قادرة على ابداع حلول للمستقبل
المأزق الثاني يتجلى في الاستعمال إلى حد الاستغلال للايديولوجية، وهنأ تكمن الأزمة اي في عملية الاستغلال للدين والفلسفة، استغلالا يعتمد التأويل الخاص المتعسف من منظور الجماعة أو الحزب، التي ينتمي لها حامل الفكرة، إذ لا يصبح الهدف كيف نستفيد من الفلسفة او كيف نجعل من الدين رافعة وسموا للانسان على المستوى القيمي أو على المستوى الأخلاقي أو الروحي، وإنما تصبح نصوص الدين أو نصوص الفلسفة مادة لصناعة الاتباع، سواء كانت هذه الأحزاب بمرجعية أيديولوجية أو دينية، لدرجة ان التعصب لدى الناصري أو السلفي أو القومي أو الإخواني …. لا يختلف الا في أسبابه مع وجوده فيهم جميعا ، مما ولد طبقة قابلة لكل أشكال الانقياد، و أصبحت مادة الفلسفة في العالم العربي مرادفة لصناعة التمرد والتحريض، ومادة الدين مادة مرادفة لصناعة العنف والتطرف، وهكذا ضاع سمو الدين بتنميطه في شكل من التدين وطقوس خاصة غريبة ثقافيا واجتماعيا وجغرافيا عنا، وضاع نبل الفلسفة في التأمل وبناء الأسئلة ، بسبب العطب في هذا العقل المتأزم فكريا، بل اصبح التفكير في إطار هذه المؤسسات بفكر شمولي حاضن ومولد للأزمات، فبدل ان يرتقي بعقل الانسان، وفكره وقدرته على الابداع، والمساهمة في حلول جماعية، تحول ويتحول إلى استغلال لهذه العقول في الانغلاق والدفاع عن التنظيمات سواء كانت في شكل أحزاب أو نقابات أو جماعات، والأخطر من هذا، انها تحولت هذه الوسائل (التنظيمات والأحزاب ) إلى غايات وأهداف في حد ذاتها.
ثالتا تسعى التنظيمات الدينية أو السياسية التي تعاني من مأزق الانغلاق الايديولوجي إلى ممارسة الاستحواذ، ونقصد به تهميش باقي القوى الحية في المجتمع، والتي تمثل القاعدة الكبرى، حيث ناءت هذه الأخيرة بنفسها عن الفضائين لكونهما لا يقبلان الاشتغال بحرية، مع حضور الإرادة وخاصة إرادة التفكير والتعبير
رابعا يظهر المأزق في اتساع الهوة بين الواقع الحقيقي والواقع النفسي، حيث يشعر المستمع لأقوال النخب الدينية أو السياسية المنتمية لهذه البنيات او القارئ لوثائق هذه التنظيمات او الاحزاب بنوع من الانفصام الشخصي، إذ يتم تفسير الهوة والشرخ الموجود بين الواقع والمأمول بكل طريقة الا الطريقة التي تربط المسؤولية بالمحاسبة، وبكل طريقة تفسر الظواهر من خلال التآمر الا طريقة انعدام الكفاءة وضعف الرؤية.
خامسا يكتشف المتأمل لأزمة أخرى نلمسها في انحسار التفكير داخل هذه البنيات في امتلاك وخلق الثروة الشخصية فقط والسعي للحصول على موقع في الصف الأول، اي ثروة المجتمع الخاص، الذي تحكمه أعراف وقيم داخلية والتي قد تختلف عن المتعارف به داخل باقي المجتمع؛ بحيث تكتشف المؤسسات الراصدة لهذه البنيات، سواء مراكز بحثية، أو معاهد الدراسات أو مؤسسات أمنية ضعف الوازع الوطني او الديني عند الكثير من أفرادها، و أن عملية الانشغال بتبرءة الذمة أو تفسير التصرفات موجودة بقوة لذا هذه الانساق الشبه مغلقة.

أن التجربة الغربية في خلق المؤسسات مرت بهذه المرحلة، التي هيمنت فيها فكرة الاستعلاء ، والاعتقاد في امتلاك الحلول للمجتمع من خلال نظريات أيديولوجية أو كهنوتية
، ومع الزمن اكتشفت نسبية ما تحمله من أفكار والأهم من ذلك بنت وصممت أدوات العمل وطرق تنزيل ما تؤمن به من قيم، واكتشفت أن انخراط اكبر قدر من عقول المجتمع في بناء أوطانهم افضل وأسرع طريق لبناء هذه المجتمعات، وتبين لها خطورة هيمنة فكر شمولي يفسر كل شيئ، كما وقع مع الكنيسة سابقا والفكر الشيوعي أو النازي لاحقا، كما اكتشفت خطورة التركيز على الأشخاص بدل المؤسسات، من هنا جعلت عملية حرية التفكير والتعبير أحد الدعامات الأساسية للحماية من تفكير القطيع، الذي لايحرك ساكنا، بل يصبح مجرد أداة للوصول فقط إلى السلطة أو الهيمنة على الجماهير.

ان الدولة الحديثة والمجتمعات الحديثة في حاجات إلى أحزاب ومنظمات وجمعيات ومؤسسات ولا يجادل في ذلك اثنان، وإنما السؤال
كيف نستطيع أن نشتغل ضمن هذه المؤسسات دون الغرق إلى حد الأزمة في الانغلاق؟ داخل الأيديولوجيات الكثيفة أو بلغة أخرى ما هي الجرعة التي نستطيع أن نصنع بها الحلم الواقعي دون الغرق في الخيال والمطلب الوهمي، ؟
الا ان يكون الهدف الوصول إلى السلطة والشعبوية والتحريض والتشويش على الآخر، وكم من كلمة حق يراد بها باطل؟
كذلك النسق الأيديولوجي فقد تتفق مع ظاهره ولكن سيعذبك باطنه، فمن منا في عمر الشباب لم تستهويه عدالة باسم الدين او باسم اليسار؟ ووجد سرابا عند مطلع الشمس لأنه كان أسير نسق إيديولوجي باع له الوهم.

* استاذ التعليم العالي بفاس


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *