برلمان.كوم ـ أحمد الميداوي 10:29 - 18 ديسمبر 2019

كيف تسربت “الشعبوية” بشكل مدمٌر للجسد الإعلامي الفرنسي

شد اهتمامي كثيرا كتاب “الإعلام الشعبوي” الذي أصدره الكاتب والمؤرخ الفرنسي، لوي غرافيي، في بداية صيف 2018، أي بعد سنة من الاستحقاقات الرئاسية الفرنسية التي تأهلت فيها اليمينية المتطرفة، جون ماري لوبين، للدور الثاني بحصولها على أزيد منن 21 بالمئة، وما نجم عن هذه الطفرة المباغتة من مخاوف بشأن مصير الديمقراطية في ظل النفوذ المتنامي للتيارات الشعبوية.
ويقدم غرافيي الذي يعمل أستاذا بمعهد الدراسات السياسية في باريس، لوحة قاتمة عن ظاهرة الشعبوية الإعلامية التي أصبحت تكتسح الصحف وحتى بعض القنوات الفرنسية الخاصة منها والعمومية. وهي ظاهرة أخذت منذ سنتين، أي بعد تولي الرئيس ماكرون الحكم، أبعادا مثيرة للقلق تغذيها بعض الخطابات السياسية العنصرية الرافضة للتنوع الفكري والثقافي والمركزة على الدفاع عن الهوية الوطنية ومعاداة الأجانب (الأفارقة والمغاربيين على الخصوص).
ويقدم الكتاب أمثلة عديدة عن حالات “شعبوية” تسربت بشكل مدمر للجسد الإعلامي الفرنسي من صحف ومواقع وقنوات تعمد، متى سنحت الفرصة لذلك، إلى تقزيم واحتقار كل من هو ليس من بني جلدتها، أفارقة ومغاربيين على الخصوص، جاثمة على مبدأ التنوع والاختلاف ومختلقة كل التخاريف والمبررات لبلوغ المقصود.
والحقيقة أن التوجه الشعبوي في الإعلام الفرنسي أصبح يأخذ من فرط تكراره في بعض الأعمدة والنشرات الإخبارية، طابع الغزو والتسميم، طالما أن يسعى إلى صياغة وعي الفرنسيين على مزاجه بما يكرس العنصرية ويغذي الكراهية بين البشر.
فبعدما اعتدوا بشكل ممنهج على حرية اللباس (الحجاب) وقبلها حرية التعبّد، اهتدى بعض الإعلاميين قبل شهور، إلى إثارة جدل واسع لا يزال محتدما حتى اليوم، بشأن انتشار اللحوم المذبوحة على الطريقة الإسلامية، فيما أعربت الرابطة الفرنسية لصناعة اللحوم عن دهشتها لعدم مهاجمة اللحوم المذبوحة على الطريقة اليهودية “كاشير” وهي موجودة بوففرة في كل المدن الفرنسية. والسؤال الذي يجب طرحه وإعادة طرحه يكمن في السبب الذي يدفع بعض الإعلاميين الفرنسيين إلى تكريس مظاهر الاستخفاف بالمسلمين وخاصة المغاربة الذين يشكلون الغالبية العظمى ممن يحترفون الجزارة (نحو 85 بالمئة)، وإنكار حقهم في الاختلاف من خلال جغرافيا عربية تؤسس لوجودهم على أساس التميٌز الإسلامي. ثم ما الذي أصاب هؤلاء حتى يعمدون إلى التهجم على اللحم الحلال والنظر في صحن الآخر وما يجب أن يتضمنه. أليس من فضائل الاختلاف بين الآدميين أن الطعام وإن كان حاجة بشرية مشتركة، فلا يمكنه أن يكون قيمة إنسانية موحدة. فالمرء يغادر مقر عمله في المساء وقد أرهقه العمل، فيجد أمامه في بيته أو في المطعم الذي اعتاده، خيارات متنوعة : سمك، بقر، خنزير، دجاج، كاشير وغير ذلك من الأطعمة، فيشعر بحرية في تناول واختيار ما يرضاه ويبتغيه، وهي حرية لا تقل أهمية عن حريته في التميًز وحريته في الرأي. فلماذا إذن الخوف من الاختلاف ما دام هذا الاختلاف متفهم ومنفتح على العلمانية التي تسكن ضمير فرنسا.
إن ما يخشاه الأفارقة والمغاربيون، وهم المستهدفون بامتياز، هو أن يتحول الإعلام الفرنسي من منهج شعبوي ساقط، إلى سلوك فكري قد تتلاقى حوله نخب سياسية وفكرية تضم في صفوفها العلمانيين والليبراليين واليمينيين وحتى الاشتراكيين.
ويربط الكثيرون شعبوية بعض الصحف وتمردها على أنماط القيم التي تحكم الممارسة الاحترافية، بما تشهده منذ بضع سنوات من تراجع مقلق في التوزيع ينذر بسكتة قلبية لها من العواقب ما يجعل الكثير يتساءل اليوم إن لم تكن الإعلام المكتوب باتت شيئا من العصر المنطوي. ومن هنا فإن تراجع الإقبال على معظم الصحف، هو واقع الأمر إنذار حقيقي لمالكي الصحف المدعوين اليوم إلى توخي الجدية والمصداقية والابتعاد عن الشعبوية إن أرادوا المحافظة على ما تبقى لها من قراء.


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *