برلمان.كوم - إدريس بنيعقوب 12:26 - 13 فبراير 2019

هل يصطنع البيجيدي الأزمات مع الحلفاء لتفجير الأغلبية والاستعداد للانتخابات؟

لتحليل ظاهرة التصارع بين الأحزاب عموما، وتحديدا بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، يجب استحضار مجموعة من العناصر والأدوات التحليلية لفهم طبيعة الخلافات وحجمها ومآلاتها المحتملة.

فيما يتعلق بعناصر التحليل الرئيسية، أولها هو ضرورة قراءة البيئة العامة ثم الخاصة المحيطة بالظاهرة، لسبر أغوارها ومحاولة تفكيك عناصر التشنج الخارجية المؤثرة في السلوك الحزبي الجانح نحو المواجهة مع الخصم. وحتى لا نطيل الحديث كثيرا عن هذه العناصر يمكن أن نبرزها في عناوين ثلاث رئيسية كمحددات للبؤر الأزماتية المفضية إلى اتخاذ قرار المواجهة.

العنوان الأول هو أزمة ولادة الحكومة ومارفقها من خطاب الهيمنة على قرار تشكيلها وعلى تركيبتها غير المنسجمة، وعلى أدائها الذي ظل محكوما بخلفية أزمة الولادة ومحاولات الأطراف المحافظة على ميزان قوى النشأة الحكومية، مع محاولات تغيير ميزان القوة للحد من تأثير هذه الجولة، التي بعثرت إلى حد ما أوراق حزب العدالة والتنمية وأحدثت له أعطابا داخلية إن لم يكن تدميرا لخطوط المواجهة الأولية، التي كان لها صدى داخلي كبير، و محاولة البيجيدي امتصاص الضربة ثم الاستدراك مرة أخرى باستعمال تكتيك الهدنة مع الحلفاء/الخصوم في البداية.

العنصر الثاني هو أزمة الاحتياجات العمومية، خصوصا الاقتصادية والاجتماعية وتخبط الحكومة ككل في تدبيرها، وغياب منطق الحلول الشاملة المنسجمة بسبب عدم وجود رؤية حقيقية لدى كل المشاركين في الأغلبية الحكومية. هذا الوضع جعل المغاربة يوجهون معظم سهام النقد إلى رئيس الحكومة وإلى البيجيدي تحديدا، الشيء الذي استغله جيدا لإعطاء نفسه مكانة جديدة في مواجهة المطالب العمومية، دفاعا عن الدولة وقراراتها واستقرارها العام. استثمر الحزب عددا من الاحتجاجات الشعبية عن طريق وزرائه وبعض قيادييه ليظهر نفسه المتصدي الرئيسي لها، كما وقع مع حملة المقاطعة مثلا أو أزمة التجار الصغار الأخيرة. هذا الوضع قوى إلى حد ما موقعه في التفاوض ضمنيا مع الدولة للمطالبة بمواقع جديدة داخل مساحات الفضاء العمومي والسياسي، لكونه أبرز نفسه كأحد خطوط دفاعتها وصمامات أمنها الاجتماعي، في وقت لوحظ تصحر الساحة من باقي الفرقاء السياسيين.

العنصر الثالث والأخير هو ضعف باقي الأحزاب السياسية في إعادة إنتاج نفسها، في إنتاج خطاب متجدد، في إنتاج نخب منضبطة، وفي إنتاج تصورات عملية آنية لتدبير جميع الأزمات.

تنضاف إلى هذه العناصر، الملاحظات الأخلاقية التي تحوم حول عدد من قيادات حزب البيجيدي، كقضية سلوك ماء العينين غير المنسجم مع القناعات المعلنة وقضية الوزير يتيم وغيرها، والتي لاشك كانت لها كلفة تنظيمية تفرض على التنظيم البحث عن منافذ لتفريغ بخار غليان الأزمة الداخلية و تشتيث الانتباه بالدخول في أي مواجهات من شأنها أن تبعد الأنظار عنها، إلى صراعات خارجية أكبر تمكنه من إعادة رص صفوفها الداخلية.

وضعية باقي الأحزاب لمواجهة البيجيدي.

هنا نتحدث أساسا عن أهم الأحزاب السياسية من زاوية قوتها الانتخابية و التنظيمية.
حزب الأصالة والمعاصرة يعيش فترة مخاض عسيرة وغير واضحة المآل، هل هي عودة جديدة للتنافس القوي مع استدعاء أحد مؤسسي التنظبم وهو اخشيشن من أجل تنقيح نسخة الحزب، أم هو مجرد إعادة ترتيب وتقليص الامتداد لفتح الممر أمام منافس آخر. عموما البام يعيش ظروفا صعبة لاتؤهله للدخول في أي اشتباك فبالأحرى الاستعداد للانتخابات.

حزب الاستقلال يعيش على وقع إعادة صيانة الآلة القديمة بعد الأعطاب والتعطيل الذين أصاباها بقيادة شباط. قادة التنظيم الجدد، على ما يبدو يعيدون البناء بسرعة ويعيدون ربط الحلقات المفككة تنظيميا وتواصليا وترابيا وأيضا فكريا، لكون الحزب يتوفر على تراث محافظ و زخم نظري مهم يمكن استعماله في التعاطي مع الظاهرة الحزبية الإسلامية التي يمثلها البيجيدي وأذرعه المحافظة، لكن الحزب يبقى غير مستعد كليا للمواجهة الإعلامية التواصلية أو الانتخابية مع أي كان في الوقت الراهن.

حزب الاتحاد الاشتراكي يعيش حالة شتات منذ مدة وهو بحاجة إلى إعادة استجماع الأطر المخضرمة لمواصلة البقاء. الأمر يحتاج إلى قيادة متجددة تسمح بفك عقد العودة إلى الصفوف يكون لها ارتباط بالزعامات وبالرصيد الكبير للحزب على مستوى المحاججة وعلى مستوى إنتاج تصورات السياسات العمومية الإجرائية. الرصيد البشري متوفر لكنه في حالة جمود، نظرا لوجود عقدة أحقية القيادة، وبذلك أعطاب الحزب الكثيرة تمنعه من دخول معتركات تفرض عليه، لايمكنه خوضها لأنها ليست حروبه الخاصة ولا تقبل أطره أن تديرها بالوكالة عن الآخرين، ولايمكنه إلا أن ينتظر تجديدا قويا وبناء ترابيا من العناصر النافرة القديمة لاعادة التواجد القوي على خريطة الصراع.

حزب التجمع الوطني للأحرار مع عزيز أخنوش يسير بسرعة كبيرة وعلنية يغلب عليها الطابع الإشهاري التسويقي لمنتوج جديد في البناء والاستقطاب والانتشار، غير أن سرعته الحالية هاته تعطل نظره عن جزئيات مهمة في بناء الخطاب المطلوب وفي صناعة المناضل القوي المتنوع التكوين للمواجهة. ورغم الحجم الكبير للبناء الذي حققه التجمع في ظرف سنتين من تنظيمات موازية وهياكل وغيرها، إلا أن حجم الأنوية الداخلية القادرة على فهم طبيعة الخلافات السياسية لإنتاج اللغة المطلوبة بالسرعة المطلوبة تبقى فئة صغيرة جدا لا يمكنها أن تشتبك اشتباكا كبيرا وقويا مستمرا مع منتسبي البيجيدي رغم الإمكانات التواصلية الكبيرة. وبالتالي هم أيضا غير مستعدين لمغامرة كبيرة اليوم للتصدي للبيجيدي، ظهرا ذلك واضحا في التفاعل مع تدوينة المصطفى الرميد الأخيرة في أزمة التجار الصغار والموجهة مباشرة إلى رأس التنظيم عزيز أخنوش نفسه رغم أن عناصر التعقيب عليها متوفرة بكثرة وزوايا الرد عليها كانت وافرة، الشيء الذي أضر بصورة الحزب الذي ظهر ضعيفا ومتهربا من النزال والمحاكمة. الأحرار بتبنيهم لمواقف غير مبنية ومدروسة كالموقف من أزمة فوترة التجار الصغار، يعطون فرص متجددة للبيجيدي للخروج من دوامة الصراعات الإعلامية، وتحويل النقاش إلى مناطق أخرى أكثر أهمية بالنسبة للمواطن المغربي، وهي الحياة اليومية ومايرتبط بها من قدرة معيشية، ليحملونها بشكل ذكي ومبطن للأحرار.
فيما يتعلق بالأحزاب الأخرى ليست لها موازين سياسية خاصة وإنما هي متأثرة بالقوى الأخرى وغالبا ما تسير مسراها.

فرضية افتعال البيجيدي للأزمات تبقى قوية، وترجحها مجموعة من القرائن الواقعية في تعامل قيادات حزب العدالة والتنمية. يمكن أن نقول أن هناك توزيع ذكي للأدوار بين الحزبي المؤسساتي الرسمي في شخص الوزراء ومؤسسات التنظيم، وبين الحزبي الموازي الذي يمثل المرشد الموجه والمؤثر خارجيا أكثر منه داخليا، بجسده الأمين العام السابق بنكيران وجماعة التوحيد والإصلاح أساسا.

رئيس الحكومة والأمين العام للبيجيدي سعد الدين العثماني يلعب ويتقن دور المتخاذل المعطل للمسارات التدبيرية الحكومية، الذي لايعرف كيف ينفذ التوجيهات الكبرى للدولة خصوصا في عناصر الخطب الملكية الأخيرة مستفزا ومنفرا بذلك المغاربة بسلبيته عن القضايا الحقيقية وخلق نوع من اليأس في العمل السياسي وعدم الثقة في الدولة، و موجها أنظارهم عن عمل جماعته في الميدان، وهم جماعة التوحيد والإصلاح التي تهيئ أرضية الانتشار والتعبئة الأخلاقية للخزان الإنتخابي. إلى جانبهم يشتغل المئات من المنتخبين المحليين والجمعيات المدنية والخيرية بمنطق القرب على مدار السنة. أيضا تسمح قيادة الحزب للتنظيمات الموازية وبعض القيادات بمهاجمة باقي الفرقاء إعلاميا حسب قوتهم لتبخيسهم أمام المواطنين.

يستعمل العثماني هذا المنطق بغية دفع جهة أخرى الى ردود افعال من شأنها تفجير الأغلبية والحكومة ولما لا الدخول في انتخابات مبكرة، غير مستعد لها باقي الأحزاب.

خرجة بنكيران الأخيرة التي تحدث فيها عن معاشه وعن الملكية البرلمانية هي أيضا تدخل في سياق الدفع إلى المواجهة. هو يعلم أن قضية المعاش ستظهر يوما ما للإعلام. لذلك هو استبق الأمر واعترف هو شخصيا بذلك الرأي العام، مؤكدا أنه لم يطلب شيء بل منح له ذلك ولايمكنه رفضه، لامتصاص الضربة وتخفيف الضغط مستقبلا، مفضلا ذلك على أن يكشفها الأخرون قبيل الانتخابات وتصبح حينها فضيحة مرتبطة بالكذب وإخفاء منافعه من الدولة. هو يراهن على النسيان التدريجي وفقدان الخبر لقيمته الإعلامية مع الوقت.

أيضا حديثه عن الملكية البرلمانية يتعين قراءته عكس ما حاول أن يوهم به المتتبعين، بأنه يرفض الملكية البرلمانية، لنتساءل عن سياق حديثه في الموضوع، هل هو سياق تعديل دستوري هل هو سياق مطالب عامة لإقرار الملكية البرلماني؟ ليس هناك سياق واضح لحديثه هذا. غير أنه يعطي انطباعا بأنه هناك فعلا حديث عن تعديل دستوري، هذا التعديل إذا كان فعلا موضوع مشاورات غير معلنة، فإن بنكيران يرسل رسالة مفادها أنه لاينبغي أن يكون فيه مس بحزبه وبقوته الانتخابية، وإلا فإنه يعيد تذكير رواد الملكية البرلمانية بضرورة إعادة هذا الطرح إلى الواجهة مع أي تعديل مقبل. غير أنه في المقابل يعرض مجددا التعاون في صيغة الملكية التنفيذية مقابل بقاء حزبه في الشأن العام.

عموما يبدو أن البيجيدي ليس لديه مانع في تفجير الحكومة اليوم، ودفع الأحرار بطريقة مستفزة وذكية لتفجير الأغلبية و يدفعهم أيضا للاستقواء عليه ومهاجمته والدخول معه في اشتباك ليستغله بشكل كبير أمام المواطنين لإبراز نقط ضعف الأحرار وخطابهم المرتبك وغياب قيادات لديه للاشتباك الحقيقي، ليصنع منهم فرجة للجميع، بما فيها الدولة التي قد يراهن بعضها على الأحرار، باعتبار أن البيجيدي يرى نفسه اليوم قويا تنظيميا وترابيا، ويفضل انتخابات سابقة لأوانها لتفادي مزيد من الضربات خصوصا الثقافية والأخلاقية، انتخابات لن يسمح بها الفاهمون للأمور.


الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن مواقف صاحبها ولا تلزم موقع برلمان.كوم

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *